تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 435

مساهمون:

ص٤٣٥
العبادة للّه وحده ، واتركوا كل ما يعبد من دون اللّه
إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ
إن لم تقوموا بتوحيد اللّه ، وتطيعوني . [ 27 ]
فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ
أي : الأشراف والرؤساء ، رادين لدعوة نوح عليه السلام ، كما جرت العادة لأمثالهم ، أنهم أول من رد دعوة المرسلين .
ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا
وهذا مانع - بزعمهم - عن اتباعه ، مع أنه - في نفس الأمر - هو الصواب الذي لا ينبغي غيره ، لأن البشر يتمكن البشر أن يتلقوا عنه ، ويراجعوه في كل أمر ، بخلاف الملائكة .
وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا
أي : ما نرى اتبعك منا ، إلا الأراذل والسفلة بزعمهم . وهم - في الحقيقة - الأشراف ، وأهل العقول ، الذين انقادوا للحق ، ولم يكونوا كالأراذل ، الذين يقال لهم الملأ ، الذين اتبعوا كل شيطان مريد ، اتخذوا آلهة من الحجر والشجر ، يتقربون إليها ويسجدون ، فهل ترى أرذل من هؤلاء وأخس ؟ وقولهم :
بادِيَ الرَّأْيِ
أي : إنما اتبعوك من غير تفكر وروية ، بل بمجرد ما دعوتهم ، اتبعوك ، يعنون بذلك أنهم ليسوا على بصيرة من أمرهم ، ولم يعلموا أن الحق المبين ، تدعو إليه بداهة العقول ، وبمجرد ما يصل إلى أولي الألباب ، يعرفونه ويتحققونه ، لا كالأمور الخفية التي تحتاج إلى تأمل ، وفكر طويل .
وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ
أي : لستم أفضل منا فننقاد لكم ،
بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ
وكذبوا في قولهم هذا ، فإنهم رأوا من الآيات التي جعلها اللّه مؤيدة لنوح ، ما يوجب لهم الجزم التام على صدقه . [ 28 - 31 ] ولهذا
قالَ
لهم نوح مجاوبا
يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي
أي : على يقين وجزم ، يعني وهو الرسول الكامل القدوة ، الذي ينقاد له أولو الألباب ، وتضمحل في جنب عقله ، عقول الفحول من الرجال ، وهو الصادق حقا ، فإذا قال : إني على بينة من ربي ، فحسبك بهذا القول ، شهادة له وتصديقا .
وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ
أي : أوحى إلي وأرسلني ، ومنّ علي بالهداية ،
فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ
أي : خفيت عليكم ، وبها تثاقلتم .
أَ نُلْزِمُكُمُوها
أي : أنكرهكم على ما تحققناه ، وشككتم أنتم فيه ؟
وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ
حتى حرصتم على رد ما جئت به ، ليس ذلك ضارنا ، وليس بقادح من يقيننا فيه ، ولا قولكم ، وافتراؤكم علينا ، صادّا لنا عما كنا عليه . وإنما غايته ، أن يكون صادّا لكم أنتم ، وموجبا لعدم انقيادكم للحق ، تزعمون أنه باطل ، فإذا وصلت الحال إلى هذه الغاية ، فلا نقدر على إكراهكم على ما أمر اللّه ، ولا إلزامكم ما نفرتم عنه ، ولهذا قال :
أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ
.
وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ
أي : على دعوتي إياكم
مالًا
فتستثقلون المغرم .
إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ
، وكأنهم طلبوا منه طرد المؤمنين الضعفاء ، فقال لهم :
وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا
أي : ما ينبغي لي ، ولا يليق ذلك ، بل أتلقاهم بالرحب والإكرام ، والإعزاز والإعظام
إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ
فمثيبهم على إيمانهم وتقواهم بجنات النعيم .
وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ
. حيث تأمرونني بطرد أولياء اللّه ، وإبعادهم عني ، وحيث رددتم الحق ، لأنهم أتباعه ، وحيث استدللتم على بطلان الحق بقولكم إني بشر مثلكم وإنه ليس لنا عليكم من فضل .
وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ
أي : من يمنعني من عذابه ، فإن طردهم موجب للعذاب والنكال الذي لا يمنعه من دون