تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
اعتذروا للمؤمنين ، وزعموا أن لهم أعذارا في تخلفهم ، فإن المنافقين يريدون بذلك ، أن تعرضوا عنهم ، وترضوا وتقبلوا عذرهم ، فأما قبول العذر منهم ، والرضا عنهم ، فلا حبا ، ولا كرامة لهم . وأما الإعراض عنهم ، فيعرض المؤمنون عنهم ، إعراضهم عن الأمور الردية والرجس . وفي هذه الآيات ، إثبات الكلام [ للّه تعالى في قوله :
قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ
. وإثبات الأفعال الاختيارية للّه ، الواقعة بمشيئته تعالى وقدرته ، في هذا ، وفي قوله :
وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ
أخبر أنه سيراه بعد وقوعه . وفيها إثبات الرضا للّه عن المحسنين ، والغضب والسخط ، على الفاسقين . [ 97 ] يقول تعالى :
الْأَعْرابُ
وهم سكان البادية والبراري
أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً
من الحاضرة ، الّذين فيهم كفر ونفاق ، وذلك لأسباب كثيرة . منها : أنهم يعيدون عن معرفة الشرائع الدينية ، والأعمال والأحكام . فهم أحرى :
وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ
من أصول الإيمان ، وأحكام الأوامر والنواهي . بخلاف الحاضرة ، فإنهم أقرب ، لأن يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله ، فيحدث لهم - بسبب هذا العلم - تصورات حسنة ، وإرادات للخير ، الذي يعلمون منه ما لا يكون في البادية . وفيهم من لطافة الطبع ، والانقياد للداعي ، ما ليس في البادية . ويجالسون أهل الإيمان ، ويخالطونهم أكثر من أهل البادية . فلذلك كانوا أحرى للخير من أهل البادية ، وإن كان في البادية والحاضرة ، كفار ومنافقون ، ففي البادية أشد وأغلظ ، مما في الحاضرة . ومن ذلك ، أن الأعراب أحرص على الأموال ، وأشح فيها . [ 98 ] فمنهم :
مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ
من الزكاة والنفقة في سبيل اللّه وغير ذلك .
مَغْرَماً
أي : يراها خسارة ونقصا ، لا يحتسب فيها ، ولا يريد بها وجه اللّه ولا يكاد يؤديها إلا كرها ] « 1 » .
وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ
أي : من عداوتهم للمؤمنين وبغضهم لهم ، أنهم يودون وينتظرون فيهم ، دوائر الدهر ، وفجائع الزمان ، وهذا سينعكس عليهم فتكون
عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ
. وأما المؤمنون ، فلهم الدائرة الحسنة على أعدائهم ، ولهم العقبى الحسنة ،
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
يعلم نيات العباد ، وما صدرت عنه الأعمال ، من إخلاص وغيره . [ 99 ] وليس الأعراب كلهم مذمومين ، بل منهم
مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
فيسلم بذلك من الكفر والنفاق ويعمل بمقتضى الإيمان .
وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ
أي : يحتسب نفقته ، ويقصد بها وجه اللّه تعالى ، والقرب منه
وَ
يجعلها وسيلة إلى
صَلَواتِ الرَّسُولِ
أي : دعائه لهم ، وتبريكه عليهم ، قال تعالى مبينا لنفع صلوات الرسول :
أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ
تقربهم إلى اللّه ، وتنمي أموالهم ، وتحل فيها البركة .
سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ
في جملة عباده الصالحين
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
، فيغفر السيئات العظيمة لمن تاب إليه ، ويعم عباده برحمته ، التي وسعت كل شيء ، ويخص عباده المؤمنين ، برحمة يوفقهم فيها إلى الخيرات ، ويحميهم فيها من المخالفات ، ويجزل لهم فيها أنواع المثوبات . وفي هذه الآية ، دليل على أن الأعراب ، كأهل الحاضرة ، منهم الممدوح ومنهم المذموم ، فلم يذمهم اللّه على مجرد تعربهم وباديتهم ، إنّما ذمهم على ترك أوامر اللّه ، وأنهم في مظنة ذلك . ومنها : أن الكفر والنفاق يزيد وينقص ، ويغلظ ويخف ، بحسب الأحوال . ومنها : فضيلة العلم ، وأن فاقده أقرب إلى الشر ممن يعرفه ، لأن اللّه ذم الأعراب ، وأخبر أنهم أشد كفرا ونفاقا ، وذكر السبب الموجب لذلك ، وأنهم أجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله . ومنها : أن العلم النافع ، الذي هو أنفع العلوم ، معرفة حدود ما أنزل اللّه على رسوله ، من أصول الدين وفروعه ، كمعرفة حدود الإيمان ، والإسلام ، والإحسان ، والتقوى ، والفلاح ، والطاعة ، والبر ، والصلة ، والإحسان ، والكفر ، والنفاق ، والفسوق ، والعصيان ، والزنا ، والخمر ، والربا ، ونحو ذلك . فإن في
هامش
( 1 ) سقط من المطبوعة التي بين أيدينا ، وهو موافق للسياق .
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 397 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي