تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
بها ، فيتدبرونها ، ويتأملونها ، فيبين لهم من معانيها ، بحسب استعدادهم . وهذا مثال للقلوب ، حين ينزل عليها الوحي الذي هو مادة الحياة ، كما أن الغيث ، مادة الحيا ، فإن القلوب الطيبة ، حين يجيئها الوحي ، تقبله وتعلمه ، وتنبت بحسب ، طيب أصلها ، وحسن عنصرها . وأما القلوب الخبيثة ، التي لا خير فيها ، فإذا جاءها الوحي ، لم يجد محلا قابلا ، بل يجدها غافلة معرضة ، أو معارضة ، فيكون كالمطر الذي يمر على السباخ والرمال والصخور ، فلا يؤثر فيها شيئا ، وهذا كقوله تعالى :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً
الآيات . [ 59 ] لما ذكر تعالى ، من أدلة توحيده ، جملة صالحة ، أيد ذلك بذكر ما جرى للأنبياء الداعين إلى توحيده ، مع أممهم المنكرين لذلك ، وكيف أيد اللّه أهل التوحيد ، وأهلك من عاندهم ولم ينقد لهم ، وكيف اتفقت دعوة المرسلين على دين واحد ، ومعتقد واحد ، فقال عن نوح - أول المرسلين - .
لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ
يدعوهم إلى عبادة اللّه وحده ، حين كانوا يعبدون الأوثان ،
فَقالَ
لهم :
يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ
أي : وحده
ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
لأنه الخالق الرازق المدبّر لجميع الأمور ، وما سواه مخلوق مدبر ، ليس له من الأمر شيء . ثمّ خوّفهم إن لم يطيعوه عذاب اللّه فقال :
إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
وهذا من نصحه عليه الصلاة والسّلام ، وشفقته عليهم ، حيث خاف عليهم العذاب الأبدي ، والشقاء السرمدي ، كإخوانه من المرسلين الّذين يشفقون على الخلق أعظم من شفقة آبائهم وأمهاتهم ، فلما قال لهم هذه المقالة ، ردوا عليه أقبح رد . [ 60 ]
قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ
أي : الرؤساء الأغنياء المتبوعون الّذين قد جرت العادة باستكبارهم على الحقّ ، وعدم انقيادهم للرسل ،
إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
فلم يكفهم - قبحهم اللّه - أنهم لم ينقادوا له ، بل استكبروا عن الانقياد له ، وقدحوا فيه أعظم قدح ، ونسبوه إلى الضلال . ولم يكتفوا بمجرد الضلال حتى جعلوه ، ضلالا مبينا ، واضحا لكل أحد . وهذا من أعظم أنواع المكابرة ، التي لا تروج على أضعف الناس عقلا ، وإنّما هذا الوصف ، منطبق على قوم نوح ، الّذين جاءوا إلى أصنام ، قد صوروها ونحتوها بأيديهم ، من الجمادات التي لا تسمع ولا تبصر ، ولا تغني عنهم شيئا ، فنزلوها منزلة فاطر السماوات ، وصرفوا لها ما أمكنهم ، من أنواع القربات . فلو لا أن لهم أذهانا تقوم بها حجة اللّه عليهم لحكم عليهم بأن المجانين أهدى منهم ، بل هم أهدى منهم وأعقل ، [ 61 ] فرد نوح عليهم ردا لطيفا ، وترقق لهم ، لعلهم ينقادون له فقال :
يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي
أي : لست ضالا في مسألة من المسائل ، بوجه من الوجوه ، وإنّما أنا هاد مهتد . بل هدايته عليه الصلاة والسّلام من جنس هداية إخوانه ، أولي العزم من المرسلين ، أعلى أنواع الهدايات وأكملها ، وأتمها ، وهي هداية الرسالة التامة الكاملة ، ولهذا قال :
وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
أي : ربي وربكم ورب جميع الخلق ، بأنواع التربية ، الذي من أعظم تربيته ، أن أرسل إلى عباده رسلا ، تأمرهم بالأعمال الصالحة ، والأخلاق الفاضلة ، والعقائد الحسنة وتنهاهم عن أضدادها . [ 62 ] ولهذا قال :
أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ
أي : وظيفتي تبليغكم ، ببيان توحيده ، وأوامره ، ونواهيه ، على وجه النصيحة لكم ، والشفقة عليكم .
وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
فالذي يتعين أن تطيعوني وتنقادوا لأمري إن كنتم تعلمون . [ 63 ]
أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ
أي : كيف تعجبون من حالة لا ينبغي العجب منها ، وهو : أن جاءكم التذكير والموعظة والنصيحة ، على يد رجل منكم ، تعرفون حقيقته وصدقه وحاله ؟ فهذه الحال من عناية اللّه بكم وبره وإحسانه الذي يتلقى بالقبول والشكر ، وقوله :
لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
أي : لينذركم العذاب الأليم ، وتفعلوا الأسباب المنجية من استعمال تقوى اللّه ، ظاهرا وباطنا ، وبذلك تحصل عليهم وتنزل رحمة اللّه الواسعة .
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 327 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي