تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
وطرق الجنة وطرق النار . فمن كفر منهم بعد ذلك فلا يلومن إلا نفسه . وهذا من كمال عزته تعالى ، وحكمته ، أن أرسل إليهم الرسل ، وأنزل عليهم الكتب . وذلك أيضا من فضله وإحسانه ، حيث كان الناس مضطرين إلى الأنبياء ، أعظم ضرورة تقدر ، فأزال هذا الاضطرار ، فله الحمد والشكر . ونسأله ، كما ابتدأ عليه نعمته بإرسالهم ، أن يتمها بالتوفيق ، لسلوك طريقهم . إنه جواد كريم . [ 166 ] لما ذكر أن اللّه أوحى إلى رسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم ، كما أوحى إلى إخوانه من المرسلين ، أخبر هنا ، بشهادته تعالى على رسالته وصحة ما جاء به . و
أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ
يحتمل أن يكون المراد ، أنزله مشتملا على علمه ، أي : فيه من العلوم الإلهية ، والأحكام الشرعية ، والأخبار الغيبية ، ما هو من علم اللّه تعالى ، الذي علم به عباده . ويحتمل أن يكون المراد : أنزله ، صادرا عن علمه . ويكون في ذلك إشارة وتنبيه ، على وجه شهادته . وأن المعنى : إذا كان تعالى ، أنزل هذا القرآن ، المشتمل على الأوامر والنواهي ، وهو يعلم ذلك ، ويعلم حالة الذي أنزله عليه ، وأنه دعا الناس إليه ، فمن أجابه وصدقه ، كان وليه ، ومن كذبه وعاداه ، كان عدوه ، واستباح ماله ودمه ، واللّه تعالى يمكنه ، ويوالي نصره ، ويجيب دعواته ، ويخذل أعداءه وينصر أولياءه . فهل توجد شهادة أعظم من هذه الشهادة وأكبر ؟ ولا يمكن القدح في هذه الشهادة ، إلا بعد القدح بعلم اللّه ، وقدرته ، وحكمته ، وإخباره تعالى ، بشهادة الملائكة على ما أنزل على رسوله ، لكمال إيمانهم ، ولجلالة هذا المشهود عليه . فإن الأمور العظيمة ، لا يستشهد عليها ، إلا الخواص ، كما قال تعالى في الشهادة على التوحيد :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
( 18 )
وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
. [ 167 ] لما أخبر عن رسالة الرسل ، صلوات اللّه وسلامه عليهم ، وأخبر برسالة خاتمهم محمد ، وشهد بها ، وشهدت ملائكته - لزم من ذلك ، ثبوت الأمر المقرر ، والمشهود به ، فوجب تصديقهم ، والإيمان بهم واتباعهم . [ 168 - 169 ] ثم توعد من كفر بهم فقال :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
أي : جمعوا بين الكفر بأنفسهم ، وصدهم الناس عن سبيل اللّه . وهؤلاء أئمة الكفر ، ودعاة الضلال
قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً
. وأي ضلال ، أعظم من ضلال من ضل بنفسه ، وأضل غيره ، فباء بالإثمين ، ورجع بالخسارتين ، وفاتته الهدايتان ، ولهذا قال :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا
وهذا الظلم هو زيادة على كفرهم ، وإلا فالكفر - عند إطلاق الظلم - يدخل فيه . والمراد بالظلم هنا ، أعمال الكفر والاستغراق فيه . فهؤلاء بعيدون من المغفرة ، والهداية للصراط المستقيم . ولهذا قال :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا
. وإنما تعذرت المغفرة لهم والهداية ، لأنهم استمروا في طغيانهم ، وازدادوا في كفرهم ، فطبع على قلوبهم ، وانسدت عليهم طرق الهداية ، بما كسبوا .
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
.
وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً
أي : لا يبالي اللّه بهم ، ولا يعبأ ، لأنهم لا يصلحون للخير ، ولا يليق بهم ، إلا الحالة التي اختاروها لأنفسهم . [ 170 ] يأمر تعالى جميع الناس ، أن يؤمنوا بعبده ورسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم . وذكر السبب الموجب للإيمان به ، والفائدة