هذا إشارة إلى أن العبد ينبغي له ، إذا رأى دواعي نفسه مائلة إلى حالة له فيها هوى ، وهي مضرة له - أن يذكرها ما أعد اللّه لمن نهى نفسه عن هواها ، وقدم مرضاة اللّه على رضا نفسه ، فإن في ذلك ترغيبا للنفس ، في امتثال أمر اللّه ، وإن شق ذلك عليها . ثم قال تعالى - مذكرا لهم بحالهم الأولى ، قبل هدايتهم إلى الإسلام :
كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
أي : فكما هداكم بعد ضلالكم ، فكذلك يهدي غيركم . وكما أن الهداية حصلت لكم شيئا فشيئا ، فكذلك غيركم . فنظر الكامل لحاله الأولى الناقصة ، ومعاملته لمن كان على مثلها ، بمقتضى ما يعرف من حاله الأولى ، ودعاؤه له بالحكمة والموعظة الحسنة - من أكبر الأسباب لنفعه وانتفاعه . ولهذا أعاد الأمر بالتبين فقال :
فَتَبَيَّنُوا
. فإذا كان من خرج للجهاد في سبيل اللّه ، ومجاهدة أعداء اللّه ، واستعد بأنواع الاستعداد للإيقاع بهم ، مأمورا بالتبين لمن ألقى إليه السّلام ، وكانت القرينة قوية ، في أنه إنما سلم تعوذا من القتل ، وخوفا على نفسه - فإن ذلك يدل على الأمر بالتبين والتثبت ، في كل الأحوال التي يقع فيها نوع اشتباه ، فيتثبت فيها العبد ، حتى يتضح له الأمر ، ويتبين الرشد والصواب .
إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
فيجازي كلا ، ما عمله ونواه ، بحسب ما علمه من أحوال عباده ونياتهم .
[ 95 ] أي : لا يستوي من جاهد من المؤمنين ، بنفسه وماله ، ومن لم يخرج للجهاد ، ولم يقاتل أعداء اللّه . ففيه الحث على الخروج للجهاد ، والترغيب في ذلك ، والترهيب من التكاسل ، والقعود عنه ، من غير عذر . وأما أهل الضرر ، كالمريض ، والأعمى ، والأعرج ، والذي لا يجد ما يتجهز به ، فإنهم ليسوا بمنزلة القاعدين ، من غير عذر .
فمن كان من أولي الضرر ، راضيا بقعوده ، لا ينوي الخروج في سبيل اللّه ، لولا وجود المانع ، ولا يحدث نفسه بذلك ، فإنه بمنزلة القاعد لغير عذر . ومن كان عازما على الخروج في سبيل اللّه ، لولا وجوده المانع ، يتمنى ذلك ، ويحدّث به نفسه ، فإنه بمنزلة من خرج للجهاد . لأن النية الجازمة ، إذا اقترن بها مقدورها ، من القول ، أو الفعل - ينزل صاحبها منزلة الفاعل . ثم صرّح تعالى ، بتفضيل المجاهدين على القاعدين ، بالدرجة أي : الرفعة ، وهذا تفضيل على وجه الإجمال . ثم صرّح بذلك على وجه التفصيل ، ووعدهم بالمغفرة الصادرة من ربهم والرحمة التي تشتمل على حصول كل خير ، واندفاع كل شر . والدرجات التي فصلها النبي صلى اللّه عليه وسلم بالحديث الثابت عنه في الصحيحين ، أن في الجنة مائة درجة ، ما بين كل درجتين ، كما بين السماء والأرض ، أعدها اللّه للمجاهدين في سبيله .
وهذا الثواب ، الذي رتبه اللّه على الجهاد ، نظير الذي في سورة الصف في قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 10 ) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 11 ) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
( 12 ) إلى آخر السورة . وتأمل حسن هذا الانتقال ، من حالة إلى أعلى منها . فإنه نفى التسوية أولا ، بين المجاهد وغيره . ثم صرّح بتفضيل المجاهد على القاعد بدرجة . ثم انتقل إلى تفضيله بالمغفرة ، والرحمة والدرجات . وهذا الانتقال من حالة إلى أعلى منها عند التفضيل والمدح ، أو النزول من حالة إلى ما دونها ، عند القدح والذم - أحسن لفظا ، وأوقع في النفس . وكذلك إذا فضّل تعالى ، شيئا على شيء ، وكل منهما له فضل ، احترز بذكر الفضل الجامع للأمرين ، لئلا يتوهم أحد ، ذم المفضل عليه كما قال هنا :
وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى
. وكما قال تعالى في الآيات المذكورة في الصف في قوله :
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
.
وكما في قوله تعالى :
لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ
أي : ممن لم يكن كذلك . ثم قال :
وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى
. وكما قال تعالى :
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
. فينبغي لمن يبحث في التفضيل بين الأشخاص ، والطوائف ، والأعمال ، أن يفطن لهذه النكتة . وكذلك لو تكلم في ذم الأشخاص والمقالات ، ذكر ما تجتمع فيه ، عند تفضيل بعضها على بعض ، لئلا يتوهم أن المفضل ، قد حصل له الكمال . كما إذا قيل : النصارى خير من المجوس ، فليقل - مع ذلك - وكل منهما كافر . والقتل أشنع من الزنا ، وكل منهما معصية كبيرة ، حرمها اللّه