تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
كذا ، سبب للعقوبة ومقتضى لها . وقد قام الدليل على ذكر الموانع . فبعضها بالإجماع ، وبعضها بالنص . فالتوبة ، مانع بالإجماع . والتوحيد مانع بالنصوص المتواترة ، التي لا مدفع لها . والحسنات العظيمة الماحية ، مانعة . والمصائب الكبار المكفرة ، مانعة . وإقامة الحدود في الدنيا ، مانع بالنص . ولا سبيل إلى تعطيل هذه النصوص ، فلا بد من إعمال النصوص من الجانبين . ومن هنا قامت الموازنة بين الحسنات والسيئات ، اعتبارا لمقتضى العقاب ومانعه ، وإعمالا لأرجحها . قالوا : وعلى هذا ، بناء مصالح الدارين ومفاسدهما . وعلى هذا ، بناء الأحكام الشرعية ، والأحكام القدرية ، وهو مقتضى الحكمة السارية في الوجود ، وبه ارتباط الأسباب ومسبباتها ، خلقا وأمرا . وقد جعل اللّه سبحانه لكل ضد ضدا يدافعه ، ويقاومه ، ويكون الحكم للأغلب منهما . فالقوة ، مقتضية للصحة والعافية . وفساد الأخلاق وبغيها ، مانع من عمل الطبيعة . وفعل القوة ، والحكم ، للغالب منهما وكذلك قوى الأدوية والأمراض . والعبد يكون فيه مقتض للصحة ، ومقتض للعطب . وأحدهما ، يمنع كمال تأثير الآخر ويقاومه . فإذا ترجح عليه وقهره ، كان التأثير له . ومن هنا يعلم ، انقسام الخلق إلى من يدخل الجنة ، ولا يدخل النار ، وعكسه . ومن يدخل النار ثم يخرج منها ، ويكون مكثه فيها ، بحسب ما فيه من مقتضى المكث ، في سرعة الخروج ، وبطئه . ومن له بصيرة منورة ، يرى بها كل ما أخبر اللّه به في كتابه ، من أمر المعاد وتفاصيله ، حتى كأنه يشاهده رأي العين . ويعلم أن هذا مقتضى إلهيته سبحانه ، وربوبيته ، وعزته ، وحكمته ، وأنه مستحيل عليه خلاف ذلك . ونسبة ذلك إليه ، نسبة ما لا يليق به إليه . فيكون نسبة ذلك إلى بصيرته ، كنسبة الشمس والنجوم إلى بصره . وهذا يقين الإيمان ، وهو الذي يحرق السيئات ، كما تحرق النار الحطب . وصاحب هذا المقام من الإيمان ، يستحيل إصراره على السيئات ، وإن وقعت منه وكثرت ، فإن ما معه من نور الإيمان ، يأمره بتجديد التوبة كل وقت بالرجوع إلى اللّه في عدد أنفاسه . وهذا من أحب الخلق إلى اللّه . انتهى كلامه ، قدس اللّه روحه ، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرا . [ 94 ] يأمر تعالى عباده المؤمنين ، إذا خرجوا جهادا في سبيله ، وابتغاء مرضاته - أن يتبينوا ، ويتثبتوا في جميع أمورهم المشتبهة . فإن الأمور قسمان : واضحة وغير واضحة . فالواضحة البينة ، لا تحتاج إلى تثبت وتبين ، لأن ذلك ، تحصيل حاصل . وأما الأمور المشكلة غير الواضحة ، فإن الإنسان يحتاج إلى التثبت فيها والتبين ، هل يقدم عليها أم لا ؟ فإن التثبت في هذه الأمور ، يحصل فيه من الفوائد الكثيرة ، والكف عن شرور عظيمة ، فإنه به يعرف دين العبد ، وعقله ، ورزانته . بخلاف المستعجل للأمور في بدايتها ، قبل أن يتبين له حكمها ، فإن ذلك يؤدي إلى ما لا ينبغي . كما جرى لهؤلاء الّذين عاتبهم اللّه في الآية ، لما لم يتثبتوا ، وقتلوا من سلّم عليهم ، وكان معه غنيمة له أو مال غيره ، ظنا أنه يستكفي بذلك قتلهم ، وكان هذا خطأ في نفس الأمر ، فلهذا عاتبهم بقوله :
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ
أي : فلا يحملنكم العرض الفاني القليل ، على ارتكاب ما لا ينبغي فيفوتكم ما عند اللّه من الثواب الجزيل الباقي ، فما عند اللّه خير وأبقى . وفي