تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
شبهة للخوارج ، القائلين بكفر أهل المعاصي . فإن اللّه تعالى رتب دخول الجنة ، على طاعته ، وطاعة رسوله . ورتب دخول النار ، على معصيته ومعصية رسوله . فمن أطاعه طاعة تامة ، دخل الجنة بلا عذاب . ومن عصى اللّه ورسوله ، معصية تامة ، يدخل فيها الشرك ، فما دونه ، دخل النار وخلّد فيها . ومن اجتمع فيه معصية وطاعة ، كان فيه من موجب الثواب والعقاب بحسب ما فيه من الطاعة والمعصية . وقد دلت النصوص المتواترة ، على أن الموحدين ، الذين معهم طاعة التوحيد ، غير مخلدين في النار . فما معهم من التوحيد ، مانع لهم من الخلود فيها . [ 15 ] أي : النساء
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ
أي : الزنا . فوصفها بالفاحشة ، لشناعتها وقبحها .
فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ
أي : من رجالكم المؤمنين العدول .
فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ
احبسوهن عن الخروج الموجب للريبة . وأيضا ، فإن الحبس ، من جملة العقوبات .
حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ
أي : هذا منتهى الحبس .
أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا
أي : طريقا غير الحبس في البيوت . فهذه الآية ليست منسوخة ، فإنما هي مغياة إلى ذلك الوقت . فكان الأمر في أول الإسلام كذلك ، حتى جعل اللّه لهن سبيلا ، وهو رجم المحصن والمحصنة وجلد غير المحصن والمحصنة . [ 16 ]
وَ
كذلك
الَّذانِ يَأْتِيانِها
أي : الفاحشة
مِنْكُمْ
من الرجال والنساء
فَآذُوهُما
بالقول والتوبيخ والتعيير ، والضرب الرادع عن هذه الفاحشة . فعلى هذا كان الرجال إذا فعلوا الفاحشة يؤذون ، والنساء يحبسن ويؤذين . فالحبس غايته للموت ، والأذية نهايتها إلى التوبة والإصلاح . ولهذا قال :
فَإِنْ تابا
أي : رجعا عن الذنب الذي فعلاه ، وندما عليه ، وعزما أن لا يعودا
وَأَصْلَحا
العمل الدال على صدق التوبة
فَأَعْرِضُوا عَنْهُما
أي : عن أذاهما
إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً
أي : كثير التوبة على المذنبين الخطائين ، عظيم الرحمة والإحسان ، الذي - من إحسانه - وفقهم للتوبة ، وقبلها منهم ، وسامحهم على ما صدر منهم . ويؤخذ من هاتين الآيتين ، أن بينة الزنا ، أن تكون أربعة رجال مؤمنين . ومن باب أولى وأحرى ، اشتراط عدالتهم . لأن اللّه تعالى ، شدد في أمر هذه الفاحشة ، سترا لعباده . حتى إنه ، لا يقبل فيها النساء منفردات ، ولا مع الرجال ، ولا مع دون أربعة . ولا بد من التصريح بالشهادة ، كما دلت على ذلك ، الأحاديث الصحيحة وتومئ إليه هذه الآية لما قال :
فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ
. لم يكتف بذلك حتى قال :
فَإِنْ شَهِدُوا
أي : لا بد من شهادة صريحة عن أمر يشاهد عيانا ، من غير تعريض ، ولا كناية . ويؤخذ منهما ، أن الأذية بالقول والفعل ، والحبس ، قد شرعه اللّه ، تعزيرا لجنس المعصية ، الذي يحصل به الزجر . [ 17 ] توبة اللّه على عباده نوعان : توفيق منه للتوبة ، وقبول لها ، بعد وجودها من العبد . فأخبر هنا - أن التوبة المستحقة على اللّه ، حق أحقه على نفسه ، كرما منه وجودا ، لمن عمل السوء أي : المعاصي
بِجَهالَةٍ
أي : جهالة منه لعاقبتها ، وإيجابها لسخط اللّه وعقابه ، وجهل منه ، لنظر اللّه ومراقبته له ، وجهل منه ، بما تؤول إليه من نقص الإيمان
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 179 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي