تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
هذا ما ينقص من هذا ، ليقيم بذلك مصالح خلقه . ويخرج الحي من الميت ، كما يخرج الزروع والأشجار المتنوعة من بذورها ، والمؤمن من الكافر ، والميت من الحي . كما يخرج الحبوب والنوى ، والزروع من الأشجار ، والبيضة من الطائر ، فهو الذي يخرج المتضادات ، بعضها من بعض ، وقد انقادت له جميع العناصر . وقوله :
وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
، قد ذكر اللّه في غير هذه الآية الأسباب التي ينال بها رزقه كقوله :
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
.
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
. فعلى العباد أن لا يطلبوا الرزق ، إلا من اللّه ، ويسعوا فيه بالأسباب التي يسرها اللّه وأباحها . [ 28 ] هذا نهي من اللّه ، وتحذير للمؤمنين ، أن يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، فإن المؤمنين بعضهم أولياء بعض ، واللّه وليهم .
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ
التولي
فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ
، أي : فهو بريء من اللّه ، واللّه بريء منه ، كقوله تعالى :
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ
. وقوله :
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً
، أي : إلا أن تخافوا على أنفسكم في إبداء العداوة للكافرين ، فلكم - في هذه الحال - الرخصة في المسالمة والمهادنة ، لا في التولي الذي هو محبة القلب ، الذي تتبعه النصرة .
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
، أي : فخافوه واخشوه ، وقدموا خشيته على خشية الناس ، فإنه هو الذي يتولى شؤون العباد ، وقد أخذ بنواصيهم ، وإليه يرجعون وسيصيرون إليه ، فيجازي من قدم حقوقه ورجاءه ، على غيره بالثواب الجزيل ، ويعاقب الكافرين ، ومن تولاهم بالعذاب الوبيل . [ 29 ] يخبر تعالى بإحاطة علمه بما في الصدور ، سواء أخفاه العباد ، أو أبدوه ، كما أن علمه محيط بكل شيء ، في السماء والأرض ، فلا تخفى عليه خافية . ومع إحاطة علمه ، فهو العظيم القدير على كل شيء ، الذي لا يمتنع عن إرادته موجود . [ 30 ] ولما ذكر لهم من عظمته وسعة أوصافه ، ما يوجب للعباد أن يراقبوه في كل أحوالهم ، ذكر لهم أيضا ، داعيا آخر إلى مراقبته وتقواه ، وهو أنهم كلهم صائرون إليه ، وأعمالهم - حينئذ ، من خير وشر - محضرة . فحينئذ يغتبط أهل الخير ، بما قدموا لأنفسهم ، ويتحسر أهل الشر إذا وجدوا ما عملوه محضرا ويودون أن بينهم وبينه أمدا بعيدا . فإذا عرف العبد أنه ساع إلى ربه ، وكادح في هذه الحياة ، وأنه لا بد أن يلاقي ربه ، ويلاقي سعيه ، أوجب له أخذ الحذر ، والتوقي من الأعمال التي توجب الفضيحة والعقوبة ، والاستعداد بالأعمال الصالحة ، التي توجب السعادة والمثوبة ، ولهذا قال تعالى :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
، وذلك بما يبدي لكم من أوصاف عظمته ، وكمال عدله وشدة نكاله ، ومع شدة عقابه ، فإنه رؤوف رحيم . ومن رأفته ورحمته ، أنه خوّف العباد ، وزجرهم عن الغي والفساد ، كما قال تعالى - لما ذكر العقوبات - :
ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ
، فرأفته ورحمته ، سهّلت لهم الطرق ، التي ينالون بها الخيرات ، ورأفته ورحمته ، حذرتهم من الطرق التي تقضي بهم إلى المكروهات . فنسأله تعالى أن يتمم علينا إحسانه بسلوك الصراط المستقيم ، والسلامة من الطرق ، التي تفضي بسالكها إلى الجحيم .