تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
اتبعه كذلك ، قد وافقوه على هذا الإذعان الخالص . وأن يقول للناس كلهم ، من أهل الكتاب ، والأميين ، أي : الذين ليس لهم كتاب ، من العرب وغيرهم : إن أسلمتم فأنتم على الطريق المستقيم ، والهدى والحق ، وإن توليتم فحسابكم على اللّه ، وأنا ليس علي إلا البلاغ ، وقد أبلغتكم وأقمت عليكم الحجة . [ 21 ] أي الذين جمعوا بين هذه الشرور : الكفر بآيات اللّه ، وتكذيب رسل اللّه ، والجناية العظيمة على أعظم الخلق حقا على الخلق وهم الرسل ، وأئمة الهدى ، الذين يأمرون الناس بالقسط ، الذي اتفقت عليه الأديان والعقول . [ 22 ] فهؤلاء قد
حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
، واستحقوا العذاب الأليم ، وليس لهم ناصر من عذاب اللّه ، ولا منقذ من عقوبته . [ 23 ] أي : ألا تنظر وتعجب من هؤلاء
الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ
، و
يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ
الذي يصدق ما أنزله على رسله .
ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ
عن اتباع الحق ، فكأنه قيل : أي داع دعاهم إلى هذا الإعراض ، وهم أحق بالاتباع ، وأعرفهم بحقيقة ما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم ؟ فذكر لذلك سببين : أمنهم ، وشهادتهم الباطلة لأنفسهم بالنجاة ، وأن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة حددوها بحسب أهوائهم الفاسدة ، كأن تدبير الملك راجع إليهم ، حيث قالوا :
لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى
، ومن المعلوم أن هذه أماني باطلة ، شرعا وعقلا . والسبب الثاني : أنهم لما كذبوا بآيات اللّه وافتروا عليه ، زين لهم الشيطان سوء عملهم ، واغتروا بذلك ، وتراءى لهم أنه الحق ، عقوبة لهم على إعراضهم عن الحق ، فهؤلاء كيف يكون حالهم - إذا جمعهم اللّه يوم القيامة ، ووفى العاملين ما عملوا ، وجرى عدل اللّه في عباده ، فهنالك لا تسأل عما يصلون إليه من العقاب ، وما يفوتهم من الخير والثواب ، وذلك بما كسبت أيديهم :
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
. [ 26 ] يأمر تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم أصلا ، وغيره تبعا - أن يقول عن ربه ، معلنا بتفرده بتصريف الأمور ، وتدبير العالم العلوي والسفلي ، واستحقاقه باختصاصه بالملك المطلق ، والتصريف المحكم ، وأنه يؤتي الملك من يشاء ، وينزع الملك ممن يشاء ، ويعز من يشاء ، ويذل من يشاء . فليس الأمر بأماني أهل الكتاب ، ولا غيرهم ، بل الأمر أمر اللّه ، والتدبير له ، فليس له معارض في تدبيره ، ولا معاون في تقديره ، وأنه كما أنه المتصرف بمداولة الأيام بين الناس ، فهو المتصرف بنفس الزمان . وقوله :
بِيَدِكَ الْخَيْرُ
، أي : الخير كله منك ، ولا يأتي بالحسنات والخيرات إلا اللّه ، وأما الشر ، فإنه لا يضاف إلى اللّه تعالى ، لا وصفا ، ولا اسما ، ولا فعلا ، ولكنه يدخل في مفعولاته ، ويندرج في قضائه وقدره . فالخير والشر ، كله داخل في القضاء والقدر ، فلا يقع في ملكه إلا ما شاءه ، ولكن الشر لا يضاف إلى اللّه ، فلا يقال : « بيدك الخير والشر » ، بل يقال : « بيدك الخير » كما قاله اللّه ، وقاله رسوله . وأمّا استدراك بعض المفسرين حيث قال : « وكذلك الشر بيد اللّه » فإنه وهم محض ، ملحظهم ، حيث ظنوا أن تخصيص الخير بالذكر ، ينافي قضاءه وقدره العام ، وجوابه ما فصلنا . [ 27 ] يولج النهار في الليل ، ويولج الليل في النهار ، أي : يدخل هذا على هذا ، ويحل هذا محل هذا ، ويزيد في
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 136 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي