تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1110

مساهمون:

ص١١١٠
وغراسها ، والبنيان فيها ، وسلوك طرقها . واعلم أن تسطيحها لا ينافي أنها كرة مستديرة ، قد أحاطت الأفلاك فيها من جميع جوانبها ، كما دل على ذلك النقل والعقل ، والحس والمشاهدة ، كما هو مذكور معروف عند كثير من الناس ، خصوصا في هذه الأزمنة ، التي وقف فيها الناس على أكثر أرجائها ، بما أعطاهم اللّه من الأسباب المقربة للبعيد . فإن التسطيح ، إنما ينافي كروية الجسم الصغير جدا ، الذي لو سطح ، لم يبق له استدارة تذكر . وأما جسم الأرض الذي هو كبير جدا وواسع ، فيكون كرويا مسطحا ، ولا يتنافى الأمران ، كما يعرف ذلك أرباب الخبرة . [ 21 ]
فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ
( 21 ) ، أي : ذكّر الناس وعظهم وأنذرهم وبشّرهم ، فإنك مبعوث لدعوة الخلق إلى اللّه وتذكيرهم ، ولم تبعث مسيطرا عليهم ، مسلّطا ، ولا موكّلا بأعمالهم . فإذا قمت بما عليك ، فلا عليك بعد ذلك لوم ، كقوله تعالى :
وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ
. [ 23 - 24 ] وقوله :
إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ
( 23 ) ، أي : لكن من تولى عن الطاعة وكفر باللّه
فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ
( 24 ) ، أي : الشديد الدائم . [ 25 ]
إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ
( 25 ) أي : رجوع الخلائق وجمعهم في يوم القيامة . [ 26 ]
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ
( 26 ) على ما عملوا ، من خير وشر .

تفسير سورة الفجر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ 1 - 3 ] الظاهر أن المقسم عليه ، هو المقسم به ، وذلك جائز مستعمل ، إذا كان أمرا ظاهرا مهمّا ، وهو كذلك في هذا الموضع . فأقسم تعالى بالفجر ، الذي هو آخر الليل ، ومقدمة النهار ، لما في إدبار الليل ، وإقبال النهار ، من الآيات الدالة على كمال قدرة اللّه تعالى ، وأنه تعالى هو المدبر لجميع الأمور ، الذي لا تنبغي العبادة إلا له . ويقع في الفجر ، صلاة فاضلة معظمة ، يحسن أن يقسم اللّه بها . ولهذا أقسم بعده ، بالليالي العشر ، وهي على الصحيح : ليالي عشر رمضان ، أو عشر ذي الحجة ، فإنها ليال مشتملة على أيام فاضلة ، ويقع فيها من العبادات والقربات ، ما لا يقع في غيرها . وفي ليالي عشر رمضان ليلة القدر ، التي هي خير من ألف شهر ، وفي نهارها ، صيام آخر رمضان الذي هو أحد أركان الإسلام العظام . وفي أيام عشر ذي الحجة ، الوقوف بعرفة ، الذي يغفر اللّه فيه لعباده مغفرة ، يحزن لها الشيطان ، فإنه ما رئي الشيطان أحقر ولا أدحر منه في يوم عرفة ، لما يرى من تنزّل الأملاك والرحمة من اللّه على عباده . ويقع فيها كثير من أفعال الحج والعمرة . وهذه أشياء معظمة ، مستحقة أن يقسم اللّه بها .