تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1093

مساهمون:

ص١٠٩٣
وعصيانه ، بقول لين ، وخطاب لطيف لعله
يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى
. [ 18 ]
فَقُلْ
له :
هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى
، أي : هل لك في خصلة حميدة ، ومحمدة جميلة ، يتنافس فيها أولو الألباب ، وهي أن تزكّي نفسك ، وتطهرها من دنس الكفر والطغيان ، إلى الإيمان والعمل الصالح ؟ [ 19 ]
وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ
، أي : أدلك عليه ، وأبيّن لك مواقع رضاه ، من مواقع سخطه .
فَتَخْشى
اللّه ، إذا علمت الصراط المستقيم ، فامتنع فرعون مما دعاه إليه موسى . [ 20 ]
فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى
( 20 ) ، أي : جنس الآية الكبرى ، فلا ينافي تعددها
فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ( 107 ) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ *
( 108 ) . [ 21 - 23 ]
فَكَذَّبَ
بالحق
وَعَصى
الأمر ،
ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى
( 22 ) ، أي : يجتهد في مبارزة الحقّ .
فَحَشَرَ
جنوده أي : جمعهم
فَنادى فَقالَ
لهم :
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
فأذعنوا له ، وأقروا بباطله ، حين استخفهم . [ 25 ]
فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى
( 25 ) أي : جعل اللّه عقوبته ، دليلا وزاجرا ، ومبينة لعقوبة الدنيا والآخرة . [ 26 ]
إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى
( 26 ) ، فإن من يخشى اللّه ، هو الذي ينتفع بالآيات والعبر . فإذا رأى عقوبة فرعون ، عرف أن من تكبر وعصى ، وبارز الملك الأعلى ، يعاقبه في الدنيا والآخرة ، وأما من ترحلت خشية اللّه من قلبه ، فلو جاءته كل آية لا يؤمن بها . [ 27 ] يقول تعالى - مبينا دليلا واضحا لمنكري البعث ، ومستبعدي إعادة اللّه للأجساد - :
أَ أَنْتُمْ
أيها البشر
أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ
ذات الجرم العظيم ، والخلق القوي ، والارتفاع الباهر
بَناها
اللّه . [ 28 ]
رَفَعَ سَمْكَها
، أي : جرمها وصورتها
فَسَوَّاها
بإحكام وإتقان ، يحير العقول ، ويذهل الألباب . [ 29 ]
وَأَغْطَشَ لَيْلَها
، أي : أظلمه ، فعمت الظلمة ، جميع أرجاء السماء ، فأظلم وجه الأرض .
وَأَخْرَجَ ضُحاها
، أي : أظهر فيه النور العظيم ، حين أتى بالشمس ، فانتشر الناس في مصالح دينهم ودنياهم . [ 30 ]
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ
أي : بعد خلق السماء
دَحاها
، أي : أودع فيها منافعها . [ 31 - 32 ] وفسر ذلك بقوله :
أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها ( 31 ) وَالْجِبالَ أَرْساها
( 32 ) ، أي : ثبتها بالأرض . فدحى الأرض بعد خلق السماوات ، كما هو نص هذه الآيات الكريمة . وأما خلق نفس الأرض ، فمتقدم على خلق السماء كما قال تعالى :
* قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ
( 9 ) إلى أن قال :
فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ
. فالذي خلق السماوات العظام وما فيها من الأنوار والأجرام ، والأرض الغبراء الكثيفة ، وما فيها من ضروريات الخلق ومنافعهم ، لا بد أن يبعث الخلق المكلفين ، فيجازيهم بأعمالهم ، فمن أحسن فله الحسنى ، ومن أساء فلا يلومن إلا نفسه . [ 34 ] ولهذا ذكر بعد هذا قيام الساعة ، ثم الجزاء ، فقال :
فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ
، إلى :
هِيَ الْمَأْوى
. أي : إذا جاءت القيامة الكبرى ، والشدة العظمى ، الّتي يهون عندها كلّ شدة ، فحينئذ يذهل الوالد عن ولده ، والصاحب عن