تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1085

مساهمون:

ص١٠٨٥
المذكورة على قدر ريّهم ، لا تزيد ولا تنقص ، لأنها لو زادت نقصت لذتها ، ولو نقصت لم تكفهم لريهم . ويحتمل أن المراد : قدرها أهل الجنة بمقدار ، يوافق لذاتهم ، فأتتهم على ما قدروا في خواطرهم . [ 17 ]
وَيُسْقَوْنَ فِيها
، أي : الجنة
كَأْساً
وهو الإناء من خمر ورحيق ،
كانَ مِزاجُها
، أي : خلطها
زَنْجَبِيلًا
ليطيب طعمه وريحه . [ 18 ]
عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا
( 18 ) سميت بذلك لسلاستها ولذتها وحسنها . [ 19 ]
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ
، أي : على أهل الجنة ، في طعامهم وشرابهم وخدمتهم .
وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ
، أي : خلقوا من الجنة للبقاء ، لا يتغيرون ولا يكبرون ، وهم في غاية الحسن .
إِذا رَأَيْتَهُمْ
منتشرين في خدمتهم
حَسِبْتَهُمْ
من حسنهم
لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً
وهذا من تمام لذة أهل الجنة ، أن يكون خدامهم الولدان المخلدون ، الّذين تسر رؤيتهم ، ويدخلون في مساكنهم ، آمنين من تبعتهم ، ويأتونهم بما يدعون ، وتطلبه نفوسهم . [ 20 ]
وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ
، أي : رمقت ما أهل الجنة عليه من النعيم الكامل .
رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً
فتجد الواحد منهم ، عنده من المساكن والغرف المزينة المزخرفة ، ما لا يدركه الوصف . ولديه من البساتين الزاهرة ، والثمار الدانية ، والفواكه اللذيذة ، والأنهار الجارية ، والرياض المعجبة ، والطيور المطربة المشجية ، ما يأخذ بالقلوب ، ويفرح النفوس . وعنده من الزوجات ، اللاتي في غاية الحسن والإحسان ، الجامعات لجمال الظاهر والباطن ، الخيرات الحسان ، ما يملأ القلب سرورا ، ولذة وحبورا . وحوله من الولدان المخلدين ، والخدم المؤبدين ، ما به تحصل الراحة والطمأنينة ، وتتم لذة العيش ، وتكمل الغبطة . ثمّ علاوة ذلك ومعظمه ، الفوز برضا الرب الرحيم ، وسماع خطابه ، ولذة قربه ، والابتهاج برضاه ، والخلود الدائم ، وتزايد ما هم فيه من النعيم ، كل وقت وحين . فسبحان مالك الملك ، الحقّ المبين ، الذي لا تنفد خزائنه ، ولا يقل خيره ، فكما لا نهاية لأوصافه ، فلا نهاية لبره وإحسانه . [ 21 ]
عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ
، أي : قد جللتهم ثياب السندس والإستبرق الأخضران اللذان هما أجلّ أنواع الحرير ، فالسندس : ما غلظ من الحرير ، والإستبرق : ما رقّ منه .
وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ
، أي : حلوا في أيديهم أساور ، ذكورهم وإناثهم ، وهذا وعد وعدهم اللّه ، وكان وعده مفعولا ، لأنه لا أصدق منه قيلا ولا حديثا . وقوله :
وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً
، أي : لا كدر فيه بوجه من الوجوه ، مطهرا لما في بطونهم من كلّ أذى وقذى . [ 22 ]
إِنَّ هذا
الجزاء الجزيل
كانَ لَكُمْ جَزاءً
على ما أسلفتموه ، من الأعمال .
وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً
أي : القليل منه ، يجعل اللّه لكم به ، من النعيم ، ما لا يمكن حصره . [ 23 ] وقوله تعالى لما ذكر نعيم الجنة
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا
( 23 ) ، وفيه الوعد والوعيد ، وبيان كلّ ما يحتاجه العباد . وفيه الأمر بالقيام بأوامره وشرائعه أتمّ القيام ، والسعي في تنفيذها ، والصبر على ذلك . [ 24 ] ولهذا قال :
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً
( 24 ) ، أي : اصبر لحكمه القدري ، فلا تسخطه ، ولحكمه الديني ، فامض عليه ، ولا يعوقنك عنه عائق .
وَلا تُطِعْ
من المعاندين ، الّذين يريدون أن يصدوك
آثِماً
، أي : فاعلا
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1085 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي