تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1041

مساهمون:

ص١٠٤١
هؤلاء - يعني المهاجرين - إلّا كما قال القائل : ( سمّن كلبك يأكلك ) . وقال : لئن رجعنا إلى المدينة
لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ
بزعمه أنه هو وإخوانه المنافقين ، الأعزون ، وأن رسول اللّه ، ومن اتبعه هم الأذلون ، والأمر بعكس ما قال هذا المنافق . فلهذا قال تعالى :
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
فهم الأعزاء ، والمنافقون وإخوانهم من الكفار ، هم الأذلاء .
وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ
ذلك ، فلذلك زعموا أنهم الأعزاء ، اغترارا بما هم عليه من الباطل . [ 9 ] ثمّ قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
إلى :
بِما تَعْمَلُونَ
. يأمر تعالى عباده المؤمنين بالإكثار من ذكره ، فإن في ذلك ، الربح والفلاح ، والخيرات الكثيرة ، وينهاهم أن تشغلهم أموالهم وأولادهم عن ذكره ، فإن محبة المال والأولاد مجبولة عليها أكثر النفوس ، فتقدمها على محبة اللّه ، وفي ذلك الخسارة العظيمة ، ولهذا قال تعالى :
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ
، أي : يلهه ماله وولده ، عن ذكر اللّه
فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
للسعادة الأبدية ، والنعيم المقيم ، لأنهم آثروا ما يفنى على ما يبقى . قال تعالى :
إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
( 15 ) . [ 10 ] وقوله :
وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ
يدخل في هذا ، النفقات الواجبة ، من الزكاة والكفارات ، ونفقة الزوجات ، والمماليك ، ونحو ذلك ، والنفقات المستحبة كبذل المال في جميع المصالح . وقال :
مِمَّا رَزَقْناكُمْ
ليدل ذلك على أنه تعالى ، لم يكلف العباد من النفقة ما يعنتهم ويشق عليهم ، بل أمرهم بإخراج جزء مما رزقهم ، ويسره ، ويسر أسبابه . فليشكروا الذي أعطاهم ، بمواساة إخوانهم المحتاجين ، وليبادروا بذلك الموت الذي إذا جاء ، لم يمكّن العبد أن يأتي بمثقال ذرة من الخير ، ولهذا قال :
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ
متحسرا على ما فرّط في وقت الإمكان ، سائلا الرجعة الّتي هي محال :
رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ
، أي : لأتدارك ما فرّطت فيه .
فَأَصَّدَّقَ
من مالي ، ما به أنجو من العذاب ، وأستحق جزيل الثواب .
وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
بأداء المأمورات كلها ، واجتناب المنهيات ، ويدخل في هذا ، الحج وغيره . [ 11 ] وهذا السؤال والتمني ، قد فات وقته ، ولا يمكن تداركه ، ولهذا قال :
وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها
المحتوم لها
وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
من خير وشر ، فيجازيكم على ما علمه ، من النيات والأعمال .

تفسير سورة التغابن

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ 1 ] هذه الآيات الكريمات ، مشتملات على جملة كثيرة واسعة ، من أوصاف الباري العظيمة ، فذكر كمال