تجوز بدنانير من كل واحد منهما ، وبدراهم من كل واحد منهما ، وبدنانير ودراهم من كل واحد منهما ، وبنقد من أحدهما وعرض من الآخر ، وبعرض من كل واحد منهما سواء اتفقا أو اختلفا ، وقيل : إن اتفقا لا إن اختلفا ، إلا أن العروض تقوم . وأما خلط المالين فلا بد منه عند الشافعي رحمه اللّه حتى لا يتميز أحدهما عن الآخر كما تقدم . ويكفي في مذهب مالك أن يكون المالان في حوز واحد . ولو كان كل واحد من المالين في صرته لم يختلط بالآخر . ولا يشترط خلط المالين عند الحنفية كما تقدم . وكذلك لا يشترط خلط المالين عند الحنابلة .
فتحصل أنه لم يشترط خلط المالين إلا الشافعية : وأن المالكية إنما يشترطون كون المالين في محل واحد ؛ كحانوت أو صندوق ، وإن كان كل واحد منهما متميزا عن الآخر .
فإذا عرفت ملخص كلام العلماء في أنواع الشركة ، فسنذكر ما تيسر من أدلتها . أما النوع الذي تسميه المالكية « مفاوضة » ويعبر عنه الشافعية والحنابلة بشركة العنان ؛ فقد يستدل له بحديث البراء بن عازب الذي قدمنا عن البخاري والإمام أحمد « 1 » ، فإنه يدل على الاشتراك في التجارة والبيع ، والشراء لأن المقصود بالاشتراك التعاون على العمل المذكور فينوب كل واحد من الشريكين عن الآخر . ويدل لذلك أيضا حديث أبي هريرة يرفعه قال :
إن اللّه يقول « أنا ثالث الشريكين . . » « 2 » الحديث المتقدم . وقد بينا كلام العلماء فيه ، وبينا أنه صالح للاحتجاج ، وهو ظاهر في أنهما يعملان معا في مال الشركة بدليل قوله : « ما لم يخن أحدهما صاحبه . . » الحديث . ويدل لذلك أيضا حديث السائب بن أبي السائب المتقدم في أنه كان شريك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما تقدم ، وهو اشتراك في التجارة والبيع والشراء .
وأما شركة الأبدان فيحتج لها بما رواه أبو عبيدة عن أبيه عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال : اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر قال : فجاء سعد بأسيرين ولم أجىء أنا وعمار بشيء : رواه أبو داود « 3 » والنسائي « 4 » وابن ماجة « 5 » ، وقال المجد في « منتقى الأخبار » بعد أن ساقه : وهو حجة في شركة الأبدان وتملك المباحات . وأعلى هذا الحديث بأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه عبد اللّه المذكور فالحديث مرسل . وقد قدمنا مرارا أن الأئمة الثلاثة يحتجون بالمرسل خلافا والمحدثين .
وأما المضاربة فلم يثبت فيها حديث صحيح مرفوع ، ولكن الصحابة أجمعوا عليها
هامش
( 1 ) سبق تخريجه
( 2 ) سبق تخريجه .
( 3 ) كتاب البيوع حديث 3388 .
( 4 ) كتاب البيوع ، باب الشركة بغير مال .
( 5 ) كتاب التجارات حديث 2288 .