في حال تصرفكم في أموركم . والكلاءة بالكسر : الحفظ والحراسة ؛ يقال : اذهب في كلاءة اللّه ؛ أي في حفظه ، واكتلأت منهم : احترست . ومنه قول ابن هرمة :
إنّ سليمى واللّه يكلؤها * ضنّت بشيء ما كان يرزؤها
وقول كعب بن زهير :
أنخت بعيري واكتلأت بعينه * وآمرت نفسي أيّ أمري أفعل
و « من » في قوله
مِنَ الرَّحْمنِ
فيها للعلماء وجهان معروفان : أحدهما - وعليه اقتصر ابن كثير - : أن « من » هي التي بمعنى بدل . وعليه فقوله
مِنَ الرَّحْمنِ
أي بدل الرحمن ، يعني غيره . وأنشد ابن كثير لذلك قول الراجز :
جارية لم تلبس المرققا * ولم تذق من البقول الفستقا
أي لم تذق بدل البقول الفستق . وعلى هذا القول فالآية كقوله تعالى :
أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ
[ التوبة : 38 ] أي بدلها ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر .
أخذوا المخاض من الفصيل غلبة * ظلما ويكتب للأمير أفيلا
يعني أخذوا في الزكاة المخاض من بدل الفصيل . والوجه الثاني - أن المعنى
مَنْ يَكْلَؤُكُمْ
أي يحفظكم
مِنَ الرَّحْمنِ
أي من عذابه وبأسه . وهذا هو الأظهر عندي .
ونظيره من القرآن قوله تعالى :
فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ
[ هود : 63 ] أي من ينصرني منه فيدفع عني عذابه . والاستفهام في قوله تعالى :
مَنْ يَكْلَؤُكُمْ
قال أبو حيان في البحر : هو استفهام تقريع وتوبيخ . وهو عندي يحتمل الإنكار والتقرير ؛ فوجه كونه إنكاريا أنّ المعنى : لا كالىء لكم يحفظكم من عذاب اللّه البتّة إلّا اللّه تعالى ؛ أي فكيف تعبدون غيره . ووجه كونه تقريريّا أنهم إذا قيل لهم : من يكلؤكم ؟ اضطروا إلى أن يقروا بأن الذي يكلؤهم هو اللّه ؛ لأنهم يعلمون أنه لا نافع ولا ضارّ إلّا هو تعالى ، ولذلك يخلصون له الدعاء عند الشدائد والكروب ، ولا يدعون معه غيره ، كما قدّمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة « الإسراء » وغيرها . فإذا أقرّوا بذلك توجّه إليهم التوبيخ والتقريع ، كيف يصرفون حقوق الذي يحفظهم باللّيل والنهار إلى ما لا ينفع ولا يضرّ . وهذا المعنى الذي أشارت إليه هذه الآية الكريمة : أنه لا أحد يمنع أحدا من عذاب اللّه ، ولا يحفظه ولا يحرسه من اللّه ، وأن الحافظ لكل شيء هو اللّه وحده - جاء مبيّنا في مواضع أخر ؛ كقوله تعالى :
لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
[ الرعد : 11 ] على أظهر التفسيرات ، وقوله تعالى ،
قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً
[ الفتح : 11 ] الآية ، وقوله تعالى :
قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا