تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
في حال كونه في ذلك الرجوع غضبان أسفا على قومه من أجل عبادتهم العجل . وقوله
أَسِفاً
أي شديد الغضب . فالأسف هنا : شدة الغضب ، وعلى هذا فقوله
غَضْبانَ أَسِفاً
أي غضبان شديد الغضب . ومن إطلاق الأسف على الغضب في القرآن قوله تعالى في « الزخرف »
فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ
( 55 ) [ الزخرف : 55 ] أي فلما أغضبونا بتماديهم في الكفر مع توالي الآيات عليهم انتقمنا منهم . وقال بعض العلماء : الأسف هنا الحزن والجزع ؛ أي رجع موسى في حال كونه غضبان حزينا جزعا لكفر قومه بعبادتهم للعجل . وقيل : أسفا أي مغتاظا . وقائل هذا يقول : الفرق بين الغضب والغيظ : أن اللّه وصف نفسه بالغضب ، ولم يجز وصفه بالغيظ ؛ حكاه الفخر الرازي . ولا يخفى عدم اتجاهه في تفسير هذه الآية ، لأنه راجع إلى القول الأول ، ولا حاجة في ذلك إلى التفصيل المذكور . وقوله
غَضْبانَ أَسِفاً
حالان . وقد قدمنا فيما مضى أن التحقيق جواز تعدد الحال من صاحب واحد مع كون العامل واحدا ؛ كما أشار له في الخلاصة بقوله :
والحال قد يجيء ذا تعدد * لمفرد فاعلم وغير مفرد
وما ذكره جل وعلا في آية « طه » هذه من كون موسى رجع إلى قومه
غَضْبانَ أَسِفاً
ذكره في غير هذا الموضع ، وذكر أشياء من آثار غضبه المذكور ، كقوله في « الأعراف » :
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي
[ الأعراف : 150 ] الآية . وقد بين تعالى أن من آثار غضب موسى إلقاءه الألواح التي فيها التوراة ، وأخذه برأس أخيه يجره إليه ، كما قال في « الأعراف » :
وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ
[ الأعراف : 150 ] ، وقال في « طه » مشيرا لأخذه برأس أخيه :
قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي
. وهذه الآيات فيها الدلالة على أن الخبر ليس كالعيان ، لأن اللّه لما أخبر موسى بكفر قومه بعبادتهم العجل كما بينه في قوله :
قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ
( 85 ) وهذا خبر من اللّه يقين لا شك فيه لم يلق الألواح ، ولكنه لما عاين قومه حول العجل يعبدونه أثرت فيه معاينة ذلك أثرا لم يؤثره فيه الخبر اليقين بذلك ، فألقى الألواح حتى تكسرت ، وأخذ برأس أخيه يجره إليه لما أصابه من شدة الغضب من انتهاك حرمات اللّه تعالى . وقال ابن كثير في تفسيره في سورة « الأعراف » : وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا عفان ، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يرحم اللّه موسى ليس المعاين كالمخبر ، أخبره ربه عز وجل أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح ، فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح » . قوله تعالى :
قالَ يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ( 86 ) قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا
[ 86 - 87 ] .