وإن كانوا حاضرين أصحاء . والدليل على صحة جواز الوكالة للشاهد الصحيح - ما أخرجه الصحيحان وغيرهما عن أبي هريرة قال : كان لرجل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الإبل ، فجاء يتقاضاه فقال : « أعطوه » فطلبوا سنة فلم يجدوا إلا سنا فوقها . فقال « أعطوه » فقال : أوفيتني أوفى اللّه لك . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن خيركم أحسنكم قضاء » « 1 » لفظ البخاري .
فدل هذا الحديث مع صحته على جواز توكيل الحاضر الصحيح البدن ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أمر أصحابه أن يعطوا عنه السن التي عليه وذلك توكيل منه لهم على ذلك ، ولم يكن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مريضا ولا مسافرا . وهذا يرد قول أبي حنيفة وسحنون في قولهما : « إنه لا يجوز توكيل الحاضر الصحيح إلا برضا خصمه » وهذا الحديث خلاف قولهما ا ه كلام القرطبي . ولا يخفى ما فيه ، لأن أبا حنيفة وسحنونا إنما خالفا في الوكالة على المخاصمة بغير إذن لخصم فقط ، ولم يخالفا في الوكالة في دفع الحق .
وبهذه المناسبة سنذكر إن شاء اللّه الأدلة من الكتاب والسنة على صحة الوكالة وجوازها ، وبعض المسائل المحتاج إليها من ذلك ، تنبيها بها على غيرها .
اعلم أولا - أن الكتاب والسنة والإجماع كلها دل على جواز الوكالة وصحتها في الجملة ؛ فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى هنا :
فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ
هذه الآية ، وقوله تعالى :
وَالْعامِلِينَ عَلَيْها
[ التوبة : 60 ] الآية ، فإن عملهم عليها توكيل لهم على أخذها .
واستدل لذلك بعض العلماء أيضا بقوله :
اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي
[ يوسف : 93 ] الآية ؛ فإنه توكيل لهم من يوسف على إلقائهم قميصه على وجه أبيه ليرتد بصيرا .
واستدل بعضهم لذلك أيضا بقوله تعالى عن يوسف :
قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ
[ يوسف : 55 ] الآية ، فإن توكيل على ما في خزائن الأرض .
وأما السنة فقد دلت أحاديث كثيرة على جواز الوكالة وصحتها ؛ من ذلك حديث أبي هريرة للتقدم في كلام القرطبي ، الدال على التوكيل في قضاء الدين ، وهو حديث متفق عليه . وأخرج الجماعة إلا البخاري من حديث أبي رافع عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نحوه .
ومنها حديث عروة بن أبي الجعد البارقي : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أعطاه دينارا ليشتري به له شاة ، فاشترى له شاتين : فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة ، فدعا بالبركة في بيعه ؛
هامش
( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في الاستقراض وآداء الديون والحجر والتفليس حديث 2392 و 2393 ، والوكالة حديث 2305 و 2306 ، ومسلم في المساقاة حديث 120 و 121 و 122 ، والنسائي في البيوع باب اسلاف الحيوان واستقراضه ، وأحمد في المسند 2 / 393 ، 431 ، 509 .