قوله تعالى :
وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي ( 27 ) يَفْقَهُوا قَوْلِي ( 28 )
[ 27 - 28 ] .
قال بعض العلماء : دلّ قوله
عُقْدَةً مِنْ لِسانِي
( 27 ) بالتنكير والإفراد ، واتباعه لذلك بقوله
يَفْقَهُوا قَوْلِي
( 28 ) على أنه لم يسأل إزالة جميع ما بلسانه من العقد ، بل سأل إزالة بعضها الذي يحصل بإزالته فهم كلامه مع بقاء بعضها . وهذا المفهوم دلت عليه آيات أخر ، كقوله تعالى عنه :
وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً
[ القصص : 34 ] الآية ، وقوله تعالى عن فرعون
أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ
( 52 ) [ الزخرف : 52 ] والاستدلال بقول فرعون في موسى ، فيه أن فرعون معروف بالكذب والبهتان . والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى ( 37 ) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى ( 38 ) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ
[ 37 - 39 ] .
ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة . أنه منّ على موسى مرّة أخرى قبل منّه عليه بالرسالة ورسالة أخيه معه ، وذلك بإنجائه من فرعون وهو صغير ، إذ أوحى إلى أمّه أي ألهمها وقذف في قلبها ، وقال بعضهم : هي رؤيا منام . وقال بعضهم : أوحى إليها ذلك بواسطة ملك كلمها بذلك . ولا يلزم من الإيحاء في أمر خاص أن يكون الموحي إليه نبيا ، و « أن » في قوله
أَنِ اقْذِفِيهِ
هي المفسرة ، لأن الإيحاء فيه معنى القول دون حروفه . والتعبير بالموصول في قوله
ما يُوحى
( 38 ) للدلالة على تعظيم شأن الأمر المذكور ، كقوله :
فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ
( 78 ) [ طه : 78 ] ، وقوله
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
( 10 ) [ النجم :
10 ] والتابوت : الصندوق . واليمّ : البحر . والساحل : شاطىء البحر . والبحر المذكور : نيل مصر . والقذف : الإلقاء والوضع ، ومنه قوله تعالى :
وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ
[ الأحزاب :
26 ] ومعنى
اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ
أي ضعيه في الصندوق . والضمير في قوله
أَنِ اقْذِفِيهِ
راجع إلى موسى بلا خلاف . وأما الضمير في قوله
فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ
وقوله
فَلْيُلْقِهِ
فقيل :
راجع إلى التابوت . والصواب رجوعه إلى موسى في داخل التابوت ، لأن تفريق الضمائر غير حسن ، وقوله
يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ
هو فرعون ، وصيغة الأمر في قوله
فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ
فيها وجهان معروفان عند العلماء :
أحدهما - أن صيغة الأمر معناها الخبر ، قال أبو حيان في البحر المحيط : و
فَلْيُلْقِهِ
أمر معناه الخبر ، وجاء بصيغة الأمر مبالغة ، إذا الأمر أقطع الأفعال وأوجبها .
الوجه الثاني - أنّ صيغة الأمر في قوله
فَلْيُلْقِهِ
أريد بها الأمر الكوفي القدري ، كقوله
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
( 82 ) [ يس : 82 ] فالبحر لا بد أن يلقيه بالساحل ، لأن اللّه أمره بذلك كوفا وقدرا . وقد قدّمنا ما يشبه هذين الوجهين في الكلام على قوله تعالى :
فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا
[ مريم : 75 ] .