وقوله :
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
( 1 ) [ الزمر : 1 ] وقوله :
تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( 2 ) [ فصلت : 2 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا .
قوله تعالى :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ( 5 )
[ 5 ] .
تقدم إيضاح الآيات الموضحة لهذه الآية وأمثالها في القرآن في سورة « الأعراف » مستوفى ، فأغنى عن إعادته هنا .
قوله تعالى :
وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى ( 7 )
[ 7 ] .
خاطب اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية الكريمة بأنّه : إن يجهر بالقول أي يقله جهرة في غير خفاء ، فإنّه جلّ وعلا يعلم السرّ وما هو أخفى من السر . وهذا المعنى الذي أشار إليه هنا ذكره في مواضع أخر ، كقوله :
وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
( 13 ) [ الملك :
13 ] ، وقوله :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ
( 19 ) [ النحل : 19 ] ، وقوله تعالى :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ
( 26 ) [ محمد : 26 ] ، وقوله تعالى :
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الفرقان : 6 ] ، الآية ، إلى غير ذلك من الآيات .
وفي المراد بقوله في هذه الآية
وَأَخْفى
أوجه معروفة كلها حقّ ويشهد لها قرآن .
قال بعض أهل العلم
يَعْلَمُ السِّرَّ
: أي ما قاله العبد سرا
وَأَخْفى
أي ويعلم ما هو أخفى من السر ، وهو ما توسوس به نفسه ؛ كما قال تعالى :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
( 16 ) [ ق : 16 ] . وقال بعض أهل العلم :
فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ
: أي ما توسوس به نفسه
وَأَخْفى
من ذلك ، وهو ما علم اللّه أن الإنسان سيفعله قبل أن يعلم الإنسان أنه فاعله ، كما قال تعالى :
وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ
( 63 ) [ المؤمنون :
63 ] ، وكما قال تعالى :
هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى
( 32 ) [ النجم : 32 ] فاللّه يعلم ما يسرّه الإنسان اليوم ؛ وما سيسره غدا . والعبد لا يعلم ما في غد كما قال زهير في معلّقته :
وأعلم علم اليوم والأمس قبله * ولكنني عن علم ما في غد عم
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
وَأَخْفى
صيغة تفضيل كل بيّنا ، أي ويعلم ما هو أخفى من السرّ . وقول من قال : إن « أخفى » فعل ماض بمعنى أنه يعلم سر الخلق ، وأخفى عنهم ما يعلمه هو ؛ كقوله :
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
( 110 ) [ طه : 110 ] - ظاهر السقوط كما لا يخفى .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ
[ طه : 7 ] أي فلا حاجة لك إلى الجهر بالدعاء ونحوه ، كما قال تعالى :
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً
[ الأعراف : 55 ] ، وقال تعالى :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ
[ الأعراف : 205 ] الآية . ويوضح هذا المعنى الحديث الصحيح ؛ لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لما سمع أصحابه رفعوا أصواتهم بالتكبير قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمّ