والرواية بضم
أَيُّهُمْ
وخالف الخليل ويونس وغيرهما سيبويه في « أي » المذكورة .
فقال الخليل : إنّها في الآية استفهامية محكيّة بقول مقدّر والتّقدير : ثمّ لننزعنّ من كل شيعة الّذي يقال فيه أيّهم أشدّ ؛ وأنشد الخليل لهذا المعنى الّذي ذهب إليه قول الشّاعر :
ولقد أبيت من الفتاة بمنزل * فأبيت لا حرج ولا محروم
أي فأبيت بمنزلة الّذي يقال له : لا هو حرج ولا محروم . وأمّا يونس فذهب إلى أنّها استفهاميّة أيضا ؛ لكنّه حكم بتعليق الفعل قبلها بالاستفهام لأنّ التّعليق عنده لا يختصّ بأفعال القلوب ، واحتجّ لسيبويه على الخليل ويونس ومن تبعهما ببيت غسّان بن وعلة المذكور آنفا ، لأنّ الرّواية فيه بضمّ
أَيُّهُمْ
مع أنّ حروف الجرّ ، لا يضمر بينها وبين معمولها قول ولا تعلّق على الأصوب ، وإن خالف فيه بعضهم ببعض التّأويلات . ومما ذكرنا تعلم أنّ ما ذكره بعضهم من أنّ جميع النّحويين غلّطوا سيبويه في قوله هذا في « أي » في هذه الآية الكريمة خلاف التّحقيق . والعلم عند اللّه تعالى . وقرأه حمزة والكسائي وحفص
عِتِيًّا
بكسر العين . و
صِلِيًّا
بكسر الصاد للاتباع . وقرأ الباقون بالضمّ فيهما على الأصل .
قوله تعالى :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ( 71 ) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا ( 72 )
[ 71 - 72 ] .
اختلف العلماء في المراد بورود النّار في هذه الآية الكريمة على أقوال :
الأوّل : أنّ المراد بالورود الدّخول ، ولكنّ اللّه يصرف أذاها عن عباده المتّقين عند ذلك الدّخول .
الثّاني : أنّ المراد بورود النّار المذكور : الجواز على الصّراط ، لأنّه جسر منصوب على متن جهنّم .
الثّالث : أنّ الورود المذكور هو الإشراف عليها والقرب منها .
الرّابع : أنّ حظّ المؤمنين من ذلك الورود هو حرّ الحمّى في دار الدّنيا . وقد قدّمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أنّ من أنواع البيان الّتي تضمنّها الاستدلال على أحد المعاني الدّاخلة في معنى الآية بكونه هو الغالب في القرآن فغلبته فيه دليل استقرائيّ على عدم خروجه من معنى الآية . وقد قدّمنا أمثلة لذلك . فإذا علمت ذلك - فاعلم أنّ ابن عباس رضي اللّه عنهما استدل على المراد بورود النار في الآية بمثل ذلك الدليل الذي ذكرنا أنّه من أنواع البيان في هذا الكتاب المبارك .
وإيضاحه - أنّ ورود النّار جاء في القرآن في آيات متعدّدة ، والمراد في كلّ واحدة منها الدّخول . فاستدلّ بذلك ابن عباس على أنّ « الورود في الآية الّتي فيها النّزاع هو