المنكرين للبعث وغيرهم من النّاس ، ويحشرهم معهم الشياطين الّذين كانوا يضلّونهم في الدّنيا ، وأنّه يحضرهم حول جهنّم جثيّا . وهذان الأمران الّلذان ذكرهما في هذه الآية الكريمة أشار إليهما في غير هذا الموضع . أمّا حشره لهم ولشياطينهم فقد أشار إليه في قوله :
* احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ ( 22 ) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ
( 23 ) [ الصافات : 22 - 23 ] على أحد التفسيرات . وقوله :
حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ
( 38 ) [ الزخرف : 38 ] .
وأمّا إحضارهم حول جهنّم جثيا فقد أشار له في قوله :
وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 28 ) [ الجاثية : 28 ] ، وقوله في هذه الآية الكريمة
جِثِيًّا
جمع جاث . والجاثي اسم فاعل جثا يجثو جثوا . وجثى يجثي جثيا : إذا جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه . والعادة عند العرب : أنّهم إذا كانوا في موقف ضنك وأمر شديد ، جثوا على ركبهم ، ومنه قول بعضهم :
فمن للحماة ومن للكماة * إذا ما الكماة جثوا للرّكب
إذا قيل مات أبو مالك * فتى المكرمات قريع العرب
وكون معنى قوله
جِثِيًّا
في هذه الآية ، وقوله
وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً
الآية - أنّه جثيّهم على ركبهم وهو الظّاهر ، وهو قول الأكثر ، وهو الإطلاق المشهور في اللّغة ؛ ومنه قول الكميت :
هم تركوا سراتهم جثيّا * وهم دون السّراة مقرّنينا
وعن ابن عبّاس في قوله في هذه الآية الكريمة
جِثِيًّا
أنّ معناه جماعات . وعن مقاتل
جِثِيًّا
: أي جمعا جمعا ، وهو على هذا القول جمع « جثوة » مثلثة الجيم ، وهي الحجارة المجموعة والتراب المجموع . فأهل الخمر يحضرون حول جهنّم على حدة ، وأهل الزّنى على حدة ؛ وأهل السّرقة على حدة . . ؛ وهكذا . ومن هذا المعنى قول طرفة بن العبد في معلّقته :
ترى جثوتين من تراب عليهما * صفائح صمّ من صفيح منضّد
هكذا قال بعض أهل العلم : ولكنّه يردّ عليه أنّ فعلة كجثوة لم يعهد جمعها على فعول كجثى . وقرأ هذا الحرف حمزة والكسائيّ وحفص
جِثِيًّا
بكسر الجيم اتباعا للكسرة بعده وقرأ الباقون
جِثِيًّا
بضم الجيم على الأصل .
قوله تعالى :
ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا ( 69 ) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا ( 70 )
[ 69 - 70 ] .
قوله في هذه الآية
لَنَنْزِعَنَّ
أي لنستخرجنّ
مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ
أي من كلّ أمّة أهل