52 ] من اليمن وهو البركة ؛ لأن تلك البلاد بارك اللّه فيها . وأكثر أهل العلم على أن النار التي رآها موسى « نور » وهو يظنها نارا . وفي قصته أنه رأى النار تشتعل فيها وهي لا تزداد إلا خضرة وحسنا . قيل هي شجرة عوسج . وقيل شجرة عليق . وقيل شجرة عناب . وقيل سمرة . واللّه تعالى أعلم .
وقوله تعالى في سورة « النمل » :
فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها
[ النمل :
8 ] اختلفت عبارات المفسرين في المراد ب
مَنْ فِي النَّارِ
في هذه الآية في سورة « النمل » فقال بعضهم : هو اللّه جل وعلا ، وممن روي عنه هذا القول : ابن عباس ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، ومحمد بن كعب قالوا : « بورك من في النار » أي تقدس اللّه وتعالى .
وقالوا : كان نور رب العالمين في الشجرة . واستدل من قال بهذا القول بحديث أبي موسى الثابت في الصحيح : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن اللّه عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ، وعمل النهار قبل عمل الليل .
حجا به النور أو النار ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » « 1 » .
قال مقيده عفا اللّه عنه : وهذا القول بعيد من ظاهر القرآن . ولا ينبغي أن يطلق على اللّه أنه في النار التي في الشجرة ؛ سواء قلنا : إنها نار أو نور ، سبحانه جل وعلا عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله ! وتأويل ذلك ب
مَنْ فِي النَّارِ
[ النمل : 8 ] سلطانه وقدرته لا يصح ؛ لأن صرف كتاب اللّه عن ظاهره المتبادر منه لا يجوز إلا بدليل يجب الرجوع إليه من كتاب اللّه أو سنة نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم - وبه تعلم أن قول أبي حيان في « البحر المحيط » : قال ابن عباس ، وابن جبير ، والحسن وغيرهم : أراد بمن في النار ذاته . وعبر بعضهم بعبارات شنيعة مردودة بالنسبة إلى اللّه تعالى . وإذا أثبت ذلك عن ابن عباس ومن ذكر أول على حذف ؛ أي بورك من قدرته وسلطانه في النار ا ه أنه أصاب في تنزيهه للّه عن تلك العبارات ، ولم يصب فيما ذكر من التأويل . واللّه أعلم . وقال بعضهم : إن معنى
بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ
أي بوركت النار لأنها نور . وبعده عن ظاهر القرآن واضح كما ترى . وقال بعضهم : أن
بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ
أي بوركت الشجرة التي تتقد فيها النار . وبعده عن ظاهر القرآن أيضا واضح كما ترى . وإطلاق لفظة « من » على الشجرة وعلى ما في النار من أمر اللّه غير مستقيم في لغة العرب التي نزل بها القرآن العظيم كما ترى .
وأقرب الأقوال في معنى الآية إلى ظاهر القرآن العظيم - قول من قال : إن في النار التي هي نور ملائكة وحولها ملائكة وموسى . وأن معنى
بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ
أي الملائكة الذين هم في ذلك النور ومن حولها ؛ أي وبورك الملائكة الذين هم حولها ، وبورك موسى
هامش
( 1 ) أخرجه : مسلم في الإيمان حديث 293 ، وابن ماجة في المقدمة حديث 195 و 196 وأحمد في المسند 4 / 395 ، 401 ، 405 .