« فناداها من تحتها » أي الذي تحتها وهو المولود المذكور الكائن تحتها عند الوضع . وممن اختار أنّ الذي ناداها هو عيسى : ابن جرير الطبري في تفسيره « 1 » ، واستظهره أبو حيان في البحر ، واستظهر القرطبي « 2 » أنه جبريل .
قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : أظهر القولين عندي أنّ الذي ناداها هو ابنها عيسى ، وتدل على ذلك قرينتان : الأولى - أنّ الضمير يرجع إلى أقرب مذكور إلا بدليل صارف عن ذلك يجب الرجوع إليه ، وأقرب مذكور في الآية هو عيسى لا جبريل ؛ لأن اللّه قال
* فَحَمَلَتْهُ
[ مريم : 22 ] يعني عيسى
فَانْتَبَذَتْ بِهِ
[ مريم : 22 ] أي بعيسى .
ثم قال بعده « فناداها » فالذي يظهر ويتبادر من السياق أنّه عيسى . والقرينة الثانية - أنها لما جاءت به قومها تحمله ، وقالوا لها ما قالوا أشارت إلى عيسى ليكلموه ؛ كما قال تعالى عنها :
فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا
( 29 ) [ مريم : 29 ] وإشارتها إليه ليكلّموه قرينة على أنّها عرفت قبل ذلك أنه يتكلم على سبيل خرق العادة لندائه لها عندما وضعته . وبهذه القرينة الأخيرة استدل سعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه على أنّه عيسى ؛ كما نقله عنه غير واحد . و « أن » في قوله « ألّا تحزني » هي المفسرة ، فهي بمعنى أي .
وضابط « أن » المفسرة أن يتقدمها معنى القول دون حروفه كما هنا . فالنداء فيه بمعنى القول دون حروفه ومعنى كونها مفسرة : أنّ الكلام الذي بعدها هو معنى ما قبلها ؛ فالنداء المذكور قبلها هو : لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا .
واختلف العلماء في المراد بالسري هنا . فقال بعض العلماء : هو الجدول وهو النهر الصغير ؛ لأن اللّه أجرى لها تحتها نهرا ؛ وعليه فقوله تعالى :
فَكُلِي
أي من الرطب المذكور في قوله
تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ( 25 ) فَكُلِي وَاشْرَبِي
[ مريم : 25 - 26 ] أي من النهر المذكور في قوله
فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا
( 24 ) وإطلاق السري على الجدول مشهور في كلام العرب ؛ ومنه قول لبيد في معلقته :
فتوسطا عرض السري وصدعا * مسجورة متجاورا نلامها
وقول لبيد أيضا يصف نخلا نابتا على ماء النهر :
سحق يمتعها الصفا وسريه * عم نواعم بينهن كروم
وقول الآخر :
سهل الخليقة ما جد ذو فائل * مثل السري تمده الأنهار
فقوله « سريه » ؛ وقولهما « السري » بمعنى الجدول . وكذلك قول الراجز :
هامش
( 1 ) جامع البيان 16 / 52 .
( 2 ) الجامع لأحكام القرآن 11 / 93 .