بسم اللّه الرحمن الرحيم
سورة مريم
قوله تعالى :
كهيعص ( 1 ) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ( 2 ) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا ( 3 ) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا
[ 1 - 4 ] .
قد قدمنا الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور ؛ كقوله هنا :
كهيعص
في سورة « هود » فأغنى عن إعادته هنا . وقوله
ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ
خبر مبتدأ محذوف ؛ أي هذا ذكر رحمة ربك . وقيل : مبتدأ خبره محذوف ، وتقديره : فيما يتلى عليكم ذكر رحمة ربك ، والأول أظهر . والقول بأنه خبر عن قوله « كهيعص » ظاهر السقوط لعدم ربط بينهما .
وقوله :
ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ
لفظة « ذكر » مصدر مضاف إلى مفعوله . ولفظة « رحمة » مصدر مضاف إلى فاعله وهو « ربّك » . وقوله
عَبْدَهُ
مفعول به للمصدر الذي هو « رحمة » المضاف إلى فاعله ، على حد قوله في الخلاصة :
وبعد جره الذي أضيف له * كمل بنصب أو برفع عمله
وقوله « زكريّا » بدل من قوله « عبده » أو عطف بيان عليه .
وقد بين جل وعلا في هذه الآية : أن هذا الذي يتلى في أول هذه السورة الكريمة هو ذكر اللّه رحمته التي رحم بها عبده زكريا حين ناداه نداء خفيا أي دعاء في سر وخفية . وثناؤه جل وعلا عليه يكون دعائه خفيا يدل على أن إخفاء الدعاء أفضل من إظهاره وإعلانه . وهذا المعنى المفهوم من هذه الآية جاء مصرحا به في قوله تعالى :
قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً
[ الأنعام : 63 ] الآية ، وقوله تعالى :
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
[ الأعراف : 55 ] . وإنما كان الإخفاء أفضل من الإظهار لأنه أقرب إلى الإخلاص ، وأبعد من الرياء . فقول من قال : إن سبب إخفائه دعاءه أنه خوفه من قومه أن يلوموه على طلب الولد ، في حالة لا يمكن فيها الولد عادة لكبر سنه وسن امرأته ، وكونها عاقرا . وقول من قال : إنه أخفاه لأنه طلب أمر دنيوي ، فإن أجاب اللّه دعاءه فيه نال ما كان يريد . وإن لم يجبه لم يعلم ذلك أحد ، إلى غير ذلك من الأقوال ، كل ذلك ليس بالأظهر .
والأظهر أن السر في إخفائه هو ما ذكرنا من كون الإخفاء أفضل من الإعلان في الدعاء .
ودعاء زكريا هذا لم يبين اللّه في هذا الموضع مكانه ولا وقته ، ولكنه أشار إلى ذلك