يهلك ما عليها ويجعله صعيدا حرزا - فيه أكبر واعظ للناس ، وأعظم زاجر عن اتباع الهوى ، وإيثار الفاني على الباقي ، ولذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الدنيا حلوة خضرة ، وإن اللّه مستخلفكم فيها فانظروا ماذا تعملون . فاتقوا الدنيا ، واتقوا النساء ، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء » « 1 » .
قوله تعالى :
أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً
[ 9 ] .
أَمْ
في هذه الآية الكريمة هي المنقطعة عن التحقيق ، ومعناها عند الجمهور « بل والهمزة » وعند بعض العلماء بمعنى « بل » فقط ، فعلى القول الأول فالمعنى : بل أحسبت ، وعلى الثاني - فالمعنى : بل حبست ، فهي على القول الأول جامعة بين الإضراب والإنكار .
وعلى الثاني - فهي للإضراب الانتقالي فقط .
وأظهر الأقوال في معنى الآية الكريمة : أن اللّه يقول لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم : إن قصة أصحاب الكهف وإن استعظمها الناس وعجبوا منها ، فليست شيئا ما على الأرض زينة لها ، وجعلنا إياها بعد ذلك صعيدا جرزا - أعظم وأوجب مما فعلنا بأصحاب الكهف ، ومن كوننا أنمناهم هذا الزمن الطويل ، ثم بعثناهم ، ويدل لهذا الذي ذكرنا آيات كثيرة :
منها - أنه قال :
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها
إلى قوله -
صَعِيداً جُرُزاً
( 8 ) [ الكهف : 7 - 8 ] ، ثم أتبع ذلك بقوله :
أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ
الآية ، فدل ذلك على أن المراد أن قصتهم لا عجب فيها بالنسبة إلى ما خلقنا مما هو أعظم منها .
ومنها - أنه يكثر في القرآن العظيم تنبيه الناس على أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق الناس ، ومن خلق الأعظم فهو قادر على الأصغر بلا شك ، كقوله تعالى :
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ
[ غافر : 57 ] الآية ، وكقوله :
أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها
( 27 ) إلى قوله
مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ
( 33 ) [ النازعات : 33 ] كما قدمناه مستوفى في سورة « البقرة والنحل » .
ومن خلق هذه المخلوقات العظام : كالسماء والأرض وما فيهما - فلا عجب في إقامته أهل الكهف هذه المدة الطويلة ، ثم بعثه إياهم ، كما هو واضح .
والكهف : النقب المتسع في الجبل ، فإن لم يك واسعا فهو غار . وقيل : كل غار في جبل : كهف . وما يروى عن أنس من أن الكهف نفس الجبل غريب ، غير معروف في اللغة .
واختلف العلماء في المراد ب
الرَّقِيمِ
في هذه الآية على أقوال كثيرة ، قيل : الرقيم
هامش
( 1 ) أخرجه عن أبي سعيد الخدري : مسلم في الرقاق حديث 99 ، وأحمد في المسند 3 / 22 .