تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
فقوله « لزمان يهم بالإحسان فيه » . وقد بينا في رسالتنا المسماة ( منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز ) - أن جميع الآيات التي يزعمون أنها مجاز أن ذلك لا يتعين في شيء منها . وبينا أدلة ذلك . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى :
وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ( 79 )
[ 79 ] آية . ظاهر هذه الآية الكريمة - أن ذلك الملك يأخذ كل سفينة ، صحيحة كانت أو معيبة . ولكنه يفهم من آية أخرى أنه لا يأخذ المعيبة ، وهي قوله :
فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها
[ الكهف : 79 ] أي لئلا يأخذها ، وذلك هو الحكمة في خرقه لها المذكور في قوله :
حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها
[ الكهف : 71 ] ثم بين أن قصده بخرقها سلامتها لأهلها من أخذ ذلك الملك الغاصب ؛ لأن عيبها يزهده فيها . ولأجل ما ذكرنا كانت هذه الآية الكريمة مثالا عند علماء العربية لحذف النعت ؛ أي وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غير معيبة بدليل ما ذكرنا . وقد قدمنا الشواهد العربية على ذلك في سورة « بني إسرائيل » في الكلام على قوله تعالى :
وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً
[ الإسراء : 58 ] الآية . واسم ذلك الملك : هدد بن بدر : وقوله « وراءهم » أي أمامهم كما تقدم في سورة « إبراهيم » : قوله تعالى :
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
[ 86 ] آية . قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم « حمئة » بلا ألف بعد الحاء ، وبهمزة مفتوحة بعد الميم المكسورة . وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وشعبة عن عاصم « حامية » بألف بعد الحاء ، وياء مفتوحة بعد الميم المكسورة على صيغة اسم الفاعل . فعلى القراءة الأولى فمعنى « حمئة » ذات حمأة وهي الطين الأسود ، ويدل لهذا التفسير قوله تعالى :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
( 26 ) [ الحجر : 26 ] والحمأ : الطين كما تقدم . ومن هذا المعنى قول تبع الحميري فيما يؤثر عنه يمدح ذا القرنين :
بلغ المشارق والمغارب يبتغي * أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى مغيب الشمس عند غروبها * في عين ذي خلب وثأط حرمد
والخلب - في لغة حمير - : الطين . والثأط : الحمأة . والحرمد : الأسود . وعلى قراءة « حامية » بصيغة اسم الفاعل ، فالمعنى : أنها حارة ، وذلك لمجاورتها وهج الشمس عند غروبها ، وملاقاتها الشعاع بلا حائل . ولا منافاة بين القراءتين حق . قال ابن كثير رحمه اللّه في تفسيره « 1 » : « وجدها تغرب في عين حمئة » أي رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط ، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله يراها كأنها تغرب فيه - إلى آخر كلامه .
هامش
( 1 ) التفسير 3 / 102 ، 103 .