لَهُ رِزْقاً
( 11 ) [ الواقعة : 11 ] فإنه في هذه الآية الكريمة راعى لفظ
« مِنَ »
أولا فأفرد الضمير في قوله
يُؤْمِنْ
وقوله
« وَيَعْمَلْ »
وقوله
« يُدْخِلْهُ »
وراعى المعنى في قوله :
خالِدِينَ
فأتى فيه بصيغة الجمع ، ثم راعى اللفظ بعد ذلك في قوله :
قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً
( 11 ) وقوله :
أَنْ يَفْقَهُوهُ
فيه وفي كل ما يشابهه من الألفاظ وجهان معروفان لعلماء التفسير : أحدهما - أن المعنى جعلنا على قلوبهم أكنة لئلا يفقهوه . وعليه فلا النافية محذوفة دل المقام عليها .
وعلى هذا القول هنا اقتصر ابن جرير الطبري . والثاني - أن المعنى جعلنا على قلوبهم أكنة كراهة أن يفقهوه ، وعلى هذا فالكلام على تقدير مضاف ، وأمثال هذه الآية في القرآن كثيرة .
وللعلماء في كلها الوجهان المذكوران كقوله تعالى :
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا
[ النساء :
176 ] أي لئلا تضلوا ، أو كراهة أن تضلوا . وقوله :
إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ
[ الحجرات : 6 ] أي لئلا تصيبوا ، أو كراهة أن تصيبوا ، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن العظيم .
وقوله تعالى :
أَنْ يَفْقَهُوهُ
أي يفهموه . فالفقه : الفهم ، ومنه قوله تعالى :
فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً
( 78 ) [ النساء : 78 ] أي يفهمونه ، وقوله تعالى
قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ
[ هود : 91 ] أي ما نفهمه . والوقر : الثقل . وقال الجوهري في صحاحه : الوقر - بالفتح ، الثقل في الأذن . والوقر - بالكسر : الحمل ، يقال جاء يحمل وقره ، وأوقر بعيره وأكثر ما يستعمل الوقر في حمل البغال والحمار ا ه وهذا الذي ذكره الجوهري وغيره جاء به القرآن ، قال في ثقل الأذن :
وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً
وقال في الحمل :
فَالْحامِلاتِ وِقْراً
( 2 ) [ الذاريات : 2 ] .
قوله تعالى :
وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً ( 57 )
[ 57 ] آية .
بين في هذه الآية الكريمة : أن الذين جعل اللّه على قلوبهم أكنة تمنعهم أن يفقهوا ما ينفعهم من آيات القرآن التي ذكروا بها لا يهتدون أبدا ، فلا ينفع فيهم دعاؤك إياهم إلى الهدى . وهذا المعنى الذي أشار له هنا من أن من أشقاهم اللّه لا ينفع فيهم التذكير جاء مبينا في مواضع أخر ، كقوله :
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ( 96 ) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
( 97 ) [ يونس : 96 - 97 ] ، وقوله تعالى :
كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ( 200 ) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
( 201 ) [ الشعراء : 200 - 201 ] ، وقوله تعالى :
وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ
( 101 ) [ يونس : 101 ] ، وقوله تعالى :
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
( 100 ) [ يونس : 100 ] ، وقوله تعالى :
إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ
( 37 ) [ النحل : 37 ] .
وهذه الآية وأمثالها في القرآن فيها وجهان معروفان عند العلماء .