يعني لا أرانب فيها ولا ضباب .
وعلى هذا فقوله
بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها
أي لا عمد لها حتى تروها ، والعمد : جمع عمود على غير قياس ، ومنه قول نابغة ذبيان :
وخسيس الجن إني قد أذنت لهم * يبنون تدمر بالصفاح والعمد
والصفاح - بالضم والتشديد - : الحجر العريض .
قوله تعالى :
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ
[ 6 ] الآية .
المراد بالسيئة هنا : العقوبة وإنزال العذاب قبل الحسنة ، أي قبل العافية ، وقيل الإيمان ، وقد بين تعالى في هذه الآية أن الكفار يطلبون منه صلى اللّه عليه وسلم أن يعجل لهم العذاب الذي يخوفهم به إن تمادوا على الكفر ، وقد بين هذا المعنى في آيات كثيرة ، كقوله :
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ
[ الحج : 47 ] ، وكقوله :
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
( 53 ) [ العنكبوت : 53 ] ، وكقوله :
يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ
( 54 ) [ العنكبوت : 54 ] ، وقوله :
سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ( 1 ) لِلْكافِرينَ
[ المعارج : 2 ] ، وقوله :
وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ
[ الأنفال : 32 ] الآية .
وقوله :
يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ
[ الشور : 18 ] ، وقوله :
وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ
( 16 ) [ ص : 16 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وسبب طلبهم لتعجيل العذاب هو العناد ، وزعم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كاذب فيما يخوفهم به من بأس اللّه وعقابه ، كما قال تعالى :
وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ
[ هود : 8 ] ، وكقوله :
فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
( 77 ) [ الأعراف : 77 ] ، وقوله :
قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
( 32 ) [ هود : 32 ] ، كما تقدمت الإشارة إلى هذا .
والمثلات : العقوبات واحدتها مثلة .
والمعنى : أنهم يطلبون تعجيل العذاب تمردا وطغيانا ، ولم يتعظوا بما أوقع اللّه بالأمم السالفة من المثلات - أي العقوبات - كما فعل بقوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، وقوم لوط ، وقوم شعيب ، وفرعون وقومه وغيرهم .