تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
هذه الآية الكريمة إذا ضمت لها آية أخر حصل بذلك بيان أن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان ، والآية المذكورة هي قوله :
إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً
( 76 ) [ النساء : 76 ] لأن قوله في النساء
إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
( 28 ) [ يوسف 28 ] ، وقوله في الشيطان
إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً
( 76 ) [ النساء : 76 ] يدل على أن كيدهن أعظم من كيده . قال القرطبي « 1 » : قال مقاتل عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان ؛ لأن اللّه تعالى يقول :
إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً
. وقال :
إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
اه . وقال الأديب الحسن بن أمين الحسني الشنقيطي :
ما استعظم الإله كيدهنه * إلا لأنهن هن هنه
قوله تعالى :
وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ( 31 ) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ
[ 31 - 32 ] الآية . بين اللّه تعالى في هذه الآية الكريمة ثناء هؤلاء النسوة على يوسف بهذه الصفات الحميدة فيما بينهن ، ثم بين اعترافهن بذلك عند سؤال الملك لهن أمام الناس في قوله :
قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ
[ يوسف : 51 ] الآية . قوله تعالى :
وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ( 102 )
[ 102 ] . لم يبين هنا هذا الذي أجمعوا أمرهم عليه ، ولم يبين هنا أيضا المراد بمكرهم ؛ ولكنه بين في أول هذه السورة الكريمة أن الذي أجمعوا أمرهم عليه هو جعله في غيابة الجب ، وأن مكرهم هو ما فعلوه بأبيهم يعقوب وأخيهم يوسف ؛ وذلك في قوله :
فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ
[ يوسف : 15 ] إلى قوله
وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ( 18 )
[ يوسف : 18 ] . وقد أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى صحة نبوة نبينا صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأنه أنزل عليه هذا القرآن ، وفصل له هذه القصة . مع أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يكن حاضرا لد أولاد يعقوب حين أجمعوا أمرهم على المكر به ، وجعله في غيابة الجب . فلولا أن اللّه أوحى إليه ذلك ما عرفه من تلقاء نفسه . والآيات المشيرة لإثبات رسالته ، بدليل إخباره بالقصص الماضية التي لا يمكنه على حقائقها إلا عن طريق الوحي كثيرة ؛ كقوله :
وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ
هامش
( 1 ) الجامع لأحكام القرآن 9 / 175 .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 54 | الشنقيطي