تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
وقول إبليس في هذه الآية ؛
لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ
الآية . قاله ظنا منه أنه سيقع وقد تحقق له هذا الظن ؛ كما قال تعالى :
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
( 20 ) [ سبأ : 20 ] . قوله تعالى :
قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً ( 63 )
[ 36 ] . قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة :
قالَ اذْهَبْ
هذا أمر إهانة ؛ أي اجهد جهدك ، فقد أنظرناك
فَمَنْ تَبِعَكَ
أي أطاعك من ذرية آدم
فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً
( 63 ) أي وافرا ؛ عن مجاهد وغيره . وقال الزمخشري وأبو حيان :
اذْهَبْ
ليس من الذهاب الذي هو نقيض المجيء ، وإنما معناه : امض لشأنك الذي اخترته . وعقبه بذكر ما جره سوء اختياره في قوله
فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً
( 63 ) . وهذا الوعيد الذي أوعد به إبليس ومن تبعه في هذه الآية الكريمة بينه أيضا في مواضع أخر ؛ كقوله :
قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ( 84 ) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ
[ ص : 84 - 85 ] ، وقوله :
فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ ( 94 ) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ
( 95 ) [ الشعراء : 94 - 95 ] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة
جَزاءً
مفعول مطلق منصوب بالمصدر قبله ؛ على حد قول ابن مالك في الخلاصة :
بمثله أو فعل أو وصف نصب * وكونه أصلا لهذين انتخب
والذي يظهر لي : أن قول من قال إن « موفورا » بمعنى وافر لا داعي له ؛ بل « موفورا » اسم مفعول على بابه ؛ من قولهم : وفر الشيء يفره ، فالفاعل وافر ، والمفعول موفور ؛ ومنه قول زهير :
ومن يجعل المعروف من دون عرضه * يفره ومن لا يتق الشتم يشتم
وعليه : فالمعنى جزاء مكملا متمما . وتستعمل هذه المادة لازمة أيضا تقول : وفر ماله فهو وافر ؛ أي كثير . وقوله « موفورا » نعت للمصدر قبله كما هو واضح ، والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى :
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً ( 64 )
[ 64 ] . قال ابن كثير رحمه اللّه في تفسير هذه الآية الكريمة : هذا أمر قدري ؛ كقوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا
( 83 ) [ مريم : 83 ] أي تزعجهم إلى المعاصي