وذكره البيهقي في سننه « 1 » ، وهو المعروف عند الإخباريين . ولا شك أن ابن ملجم متأول - قبحه اللّه - ولكنه تأويل بعيد فاسد ، مورد صاحبه النار ، ولما ضرب عليا رضي اللّه عنه قال : الحكم للّه يا علي ، لا لك ولا لأصحابك ! ومراده أن رضاه بتحكيم الحكمين : أبي موسى ، وعمرو بن العاص - كفر باللّه لأن الحكم للّه وحده ؛ لقوله :
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ
[ الأنعام : 57 ] .
ولما أراد أولاد علي رضي اللّه عنه أن يتشفوا منه فقطعت يداه ورجلاه لم يجزع ، ولا فتر عن الذكر . ثم كحلت عيناه وهو في ذلك يذكر اللّه ، وقرأ سورة
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
إلى آخرها ، وإن عينيه لتسيلان على خديه . ثم حاولوا لسانه ليقطعوه فجزع من ذلك جزعا شديدا ؛ فقيل له في ذلك ؟ فقال : إني أخاف أن أمكث فواقا لا أذكر اللّه ( اه ) ذكره ابن كثير وغيره .
ولأجل هذا قال عمران بن حطان السدوسي يمدح ابن ملجم - قبحه اللّه - في قتله أمير المؤمنين عليا رضي اللّه عنه :
يا ضربة من تقيّ ما أراد بها * إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوما فأحسبه * أو في البرية عند اللّه ميزانا
وجز اللّه خيرا الشاعر الذي يقول في الرد عليه :
قل لابن ملجم والأقدار غالبة * هدمت ويلك للإسلام أركانا
قتلت أفضل من يمشي على قدم * وأول الناس إسلاما وإيمانا
وأعلم الناس بالقرآن ثم بما * سن الرسول لنا شرعا وتبيانا
صهر النبي ومولاه وناصره * أضحت مناقبه نورا وبرهانا
وكان منه على رغم الحسود له * مكان هارون من موسى بن عمرانا
ذكرت قاتله والدمع منحدر * فقلت : سبحان رب العرش سبحانا
إني لأحسبه ما كان من بشر * يخشى المعاد ولكن كان شيطانا
أشقى مراد إذا عدت قبائلها * وأخسر الناس عند اللّه ميزانا
كعاقر الناقة الأولى التي جلبت * على ثمود بأرض الحجر خسرانا
قد كان يخبرهم أن سوف يخضبها * قبل المنية أزمانا فأزمانا
فلا عفا اللّه عنه ما تحمله * ولا سقى قبر عمران بن حطانا
لقوله في شقي ظل مجترما * ونال ما ناله ظلما وعدوانا
« يا ضربة من تقى ما أراد بها * إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا »
هامش
( 1 ) السنن الكبر ، كتاب الجنايات 8 / 59 .