فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً
( 16 ) أي أهلكناها إهلاكا مستأصلا . وأكد فعل التدمير بمصدره للمبالغة في شدة الهلاك الواقع بهم .
وهذا القول الذي هو الحق في هذه الآية تشهد له آيات كثيرة ؛ كقوله :
وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ
[ الأعراف : 28 ] الآية .
فتصريحه جل وعلا بأنه لا يأمر بالفحشاء دليل واضح على أن قوله
أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا
أي أمرناهم بالطاعة فعصوا . وليس المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا ؛ لأن اللّه لا يأمر بالفحشاء .
ومن الآيات الدالة على هذا قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ( 34 ) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
( 35 ) [ سبأ : 34 - 35 ] .
فقوله في هذه الآية
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ
الآية ، لفظ عام في جميع المترفين من جميع القر أن الرسل أمرتهم بطاعة اللّه فقالوا لهم : إنا بما أرسلتم به كافرون ، وتبجحوا بأموالهم وأولادهم . والآيات بمثل ذلك كثيرة .
وبهذا التحقيق تعلم : أن ما زعمه الزمخشري في كشافه من أن معنى
أَمَرْنا مُتْرَفِيها
أي أمرناهم بالفسق ففسقوا . وأن هذا مجاز تنزيلا لإسباغ النعم عليهم الموجب لبطرهم وكفرهم منزلة الأمر بذلك - كلام كله ظاهر السقوط والبطلان ؛ وقد أوضح إبطاله أبو حيان في « البحر » ، والرازي في تفسيره ، مع أنه لا يشك منصف عارف في بطلانه .
وهذا القول الصحيح في الآية جار على الأسلوب العربي المألوف ، من قولهم : أمرته فعصاني . أي أمرته بالطاعة فعصى . وليس المعنى : أمرته بالعصيان كما لا يخفى .
القول الثاني في الآية - هو أن الأمر في قوله
أَمَرْنا مُتْرَفِيها
أمر كوني قدري ، أي قدرنا عليهم ذلك وسخرناهم له ؛ لأن كلا ميسر لما خلق له . والأمر الكوني القدري كقوله
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ
( 50 ) [ القمر : 50 ] ، وقوله :
قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ 166
( 166 ) [ الأعراف : 166 ] ، وقوله
أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ
[ يونس : 24 ] ، وقوله
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
( 82 ) [ يس : 82 ] .
القول الثالث في الآية - أن « أمرنا » بمعنى أكثرنا ؛ أي أكثرنا مترفيها ففسقوا .
وقال أبو عبيدة
أَمَرْنا
بمعنى أكثرنا لغة فصيحة كآمرنا بالمد .
ويدل لذلك الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد عن سويد بن هبيرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال :
« خير مال امرء مهرة مأمورة ، أو سكة مأبورة » « 1 » .
هامش
( 1 ) المسند 3 / 468 .