ومعنى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « فتندلق أقتابه » أي تتدلى أمعاؤه .
وأخرج وكيع وابن أبي شيبة « 1 » وأحمد « 2 » وعبد بن حميد والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان « 3 » وأبو نعيم في الحلية « 4 » ، وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان وغيرهم عن أنس رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار ، كلما قرضت رجعت . فقلت لجبريل من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء خطباء من أمتك ، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون » قاله صاحب « الدر المنثور » . اه . وقد قال الشاعر :
لا تنه عن خلق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم
وقد أجاد من قال :
وغير تقي يأمر الناس بالتقى * طبيب يداوي الناس وهو مريض
ومعلوم أن عمل الإنسان بما ينصح به غيره أدعى لقبول غيره منه ؛ كما قال الشاعر :
فإنك إذ ما تأت ما أنت آمر * به تلف من إياه تأمر آتيا
قوله تعالى :
قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ ( 91 )
[ 91 ] .
بين تعالى في هذه الآية الكريمة : أن نبيه شعيبا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام منعه اللّه من الكفار ، وأعز جانبه بسبب العواطف العصبية ، والأواصر النسبية من قومه الذين هم كفار .
وهو دليل على أن المتمسك بدينه قد يعينه اللّه ويعزه بنصرة قريبه الكافر ، كما بينه تعالى في مواضع أخر ؛ كقوله في صالح وقومه :
قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ
[ النمل : 49 ] الآية .
ففي الآية دليل على أنهم لا قدرة لهم على أن يفعلوا السوء بصالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام إلا في حال الخفاء ، وأنهم لو فعلوا به ذلك خفاء وسرقة لكانوا يحلفون لأوليائه الذين هم عصبته أنهم ما فعلوا به سوءا ، ولا شهدوا ذلك ولا حضروه خوفا من عصبته ؛ فهو عزيز الجانب بسبب عصبته الكفار . وقد قال تعالى لنبينا صلى اللّه عليه وسلم :
أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى
( 6 ) [ الضحى : 6 ] أي آواك بأن ضمك إلى عمك أبي طالب .
هامش
( 1 ) المصنف كتاب المغازي حديث 18425 .
( 2 ) المسند 3 / 120 ، 180 ، 231 ، 239 .
( 3 ) كتاب الإسراء حديث 53 .
( 4 ) حلية الأولياء 8 / 43 .