فصل [ تعريف المناسبة ] « 1 » :
المناسبة في اللغة : المشاكلة والمقاربة ، ومرجعها في الآيات ونحوها إلى معنى رابط بينها ، عامّ أو خاصّ ، عقليّ أو حسيّ أو خياليّ أو غير ذلك من أنواع العلاقات أو التلازم الذهنيّ ، كالسّبب والمسبب ، والعلّة والمعلول ، والنظيرين والضّدّين ، ونحوه .
وفائدته : جعل أجزاء الكلام بعضها آخذا بأعناق بعض ، فيقوى بذلك الارتباط ، ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم الأجزاء ، فنقول : ذكر الآية بعد الأخرى :
إمّا أن يكون ظاهر الارتباط ، لتعلّق الكلم بعضه ببعض وعدم تمامه بالأولى ، فواضح . وكذلك إذا كانت الثانية للأولى على وجه التأكيد أو التفسير أو الاعتراض أو البدل ؛ وهذا القسم لا كلام فيه .
وإما ألا يظهر الارتباط ، بل يظهر أنّ كلّ جملة مستقلة عن الأخرى ، وأنها خلاف النوع المبدوء به .
فإما أن تكون معطوفة على الأولى بحرف من حروف العطف المشتركة في الحكم أو لا .
فإن كانت معطوفة : فلا بد أن يكون بينهما جهة جامعة ، على ما سبق تقسيمه ، كقوله تعالى :
يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها
[ الحديد : 4 ] .
وقوله :
وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
[ البقرة : 245 ] للتضادّ بين القبض والبسط ، والولوج والخروج ، والنزول والعروج ، وشبه التضادّ بين السماء والأرض .
وممّا الكلام فيه التضادّ : ذكر الرحمة بعد ذكر العذاب ، والرغبة بعد الرهبة ؛ وقد جرت عادة القرآن إذا ذكر أحكاما ذكر بعدها وعدا ووعيدا ، ليكون باعثا على العمل بما سبق ، ثم يذكر آيات توحيد وتنزيه ليعلم عظم الآمر والناهي ، وتأمل سورة البقرة والنساء والمائدة تجده كذلك .
وإن لم تكن معطوفة : فلا بدّ من دعامة تؤذن باتصال الكلام ؛ وهي قرائن معنوية تؤذن بالربط .
هامش
( 1 ) انظر البرهان 1 / 35 .