أما تجاهل فرعون لعنه اللّه لربوبيته جل وعلا ، في قوله :
قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
( 23 ) [ الشعراء : 23 ] فإنه تجاهل عارف لأنه عبد مربوب ، كما دل عليه قوله تعالى :
قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ
[ الإسراء : 102 ] الآية :
وقوله :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا
[ النمل : 14 ] .
قوله تعالى :
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ
إلى قوله :
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
( 34 ) [ 34 ] .
ألقم اللّه تعالى المشركين في هذه الآيات حجرا ، بأن الشركاء التي يعبدونها من دونه لا قدرة لها على فعل شيء ، وأنه هو وحده جل وعلا الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده بالإحياء مرة أخرى ، وأنه يهدي من يشاء .
وصرح بمثل هذا في آيات كثيرة كقوله :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
( 40 ) [ الروم : 40 ] ، وقوله تعالى :
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً
( 3 ) [ الفرقان : 3 ] وقوله :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
[ فاطر : 3 ] الآية . وقوله :
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ
[ النحل : 17 ] الآية : وقوله :
أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ
[ الرعد : 16 ] وقوله :
قُلْ أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ
[ الزمر : 38 ] الآية .
وقوله :
أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ
[ الملك : 21 ] الآية . وقوله :
إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ
[ العنكبوت : 17 ] . الآية .
والآيات : في مثل ذلك كثيرة ، ومعلوم أن تسوية ما لا يضر ولا ينفع ولا يقدر على شيء ، مع من بيده الخير كله المتصرف بكل ما شاء ، لا تصدر إلا ممن لا عقل له ، كما قال تعالى عن أصحاب ذلك :
وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ
( 10 ) [ الملك : 10 ] .
قوله تعالى :
وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 37 )
[ 37 ] .
صرح تعالى في هذه الآية الكريمة ، أن هذا القرآن لا يكون مفترى من دون اللّه مكذوبا به عليه ، وأنه لا شك في أنه من رب العالمين جل وعلا ، وأشار إلى أن تصديقه للكتب السماوية المنزلة قبله وتفصيله للعقائد والحلال والحرام ونحو ذلك ؛ مما لا شك أنه من اللّه جل وعلا ؛ دليل على أنه غير مفتري . وأنه لا ريب في كونه من رب العالمين ، وبين هذا في مواضع أخر كقوله :
لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
( 111 ) [ يوسف : 111 ] .