سياق النفي فهي تعم نفي كل صدقة .
وفي الآية أقوال أخر :
منها : أنها منسوخة بآيات الزكاة كقوله :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ
[ التوبة :
103 ] الآية .
وذكر البخاري هذا القول بالنسخ عن ابن عمر أيضا . وبه قال عمر بن عبد العزيز وعراك بن مالك . ا ه .
وعن علي أنه قال : أربعة آلاف فما دونها نفقة وما كان أكثر من ذلك فهو كنز « 1 » ، ومذهب أبي ذر رضي اللّه عنه في هذه الآية معروف ، وهو أنه يحرم على الإنسان أن يدخر شيئا فاضلا عن نفقة عياله . ا ه ولا يخفى أن ادخار ما أديت حقوقه الواجبة لا بأس به ، وهو كالضروري عند عامة المسلمين .
فإن قيل : ما الجواب عما رواه الإمام أحمد ، عن علي رضي اللّه عنه ، قال : مات رجل من أهل الصفة ، وترك دينارين أو درهمين فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « كيتان صلوا على صاحبكم » « 2 » ا ه . وما رواه قتادة عن شهر بن حوشب ، عن أبي أمامة صدي بن عجلان قال : مات رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « كية » ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « كيتان » « 3 » : وما روى عبد الرزاق « 4 » وغيره « 5 » عن علي رضي اللّه عنه ، أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « تبا للذهب تبا للفضة يقولها ثلاثا فشق ذلك على أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقالوا : فأي مال نتخذ ؟ فقال عمر رضي اللّه عنه : أنا علم لكم ذلك من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه : إن أصحابك قد شق عليهم وقالوا : فأي المال نتخذ ؟ فقال : « لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وزوجة تعين أحدكم على دينه » . ونحو ذلك من الأحاديث .
فالجواب - واللّه تعالى أعلم - أن هذا التغليظ كان أولا ثم نسخ بفرض الزكاة كما ذكره البخاري عن ابن عمر رضي اللّه عنهما .
وقال ابن حجر في [ فتح الباري ] : قال ابن عبد البر : وردت عن أبي ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش ؛ فهو كنز يذم فاعله . وأن آية الوعيد نزلت في ذلك .
هامش
( 1 ) أخرجه عبد الرزاق في المصنف كتاب الزكاة حديث 7150 .
( 2 ) المسند 1 / 101 .
( 3 ) المسند 5 / 253 .
( 4 ) الحديث ليس عند عبد الرزاق ، وذكره ابن كثير في التفسير 2 / 352 .
( 5 ) أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان 10 / 84 .