الجزء الثاني
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
سورة المائدة
قوله تعالى :
أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ
[ 1 ] .
لم يبيّن هنا ما هذا الذي يتلى عليهم المستثنى من حليّة بهيمة الأنعام ؛ ولكنه بينّه بقوله :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ
، إلى قوله :
وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ
[ المائدة :
3 ] ، فالمذكورات في هذه الآية الكريمة كالموقوذة والمتردّية ، وإن كانت من الأنعام ؛ فإنها تحرم بهذه العوارض .
والتحقيق أن الأنعام هي الأزواج الثمانية ، كما قدمنا في سورة آل عمران ، وقد استدل ابن عمر ، وابن عباس ، وغير واحد من العلماء بهذه الآية على إباحة أكل الجنين إذا زكيت أمه ووجد في بطنها ميتا .
وجاء عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « أن ذكاة أمّه ذكاة له » كما أخرجه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجة من حديث أبي سعيد « 1 » .
وقال الترمذي : إنه حسن ، ورواه أبو داود عن جابر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « 2 » .
قوله تعالى :
وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا
[ 2 ] .
يعني إن شئتم ، فلا يدل هذا الامر على إيجاب الاصطياد عند الإحلال ، ويدل له الاستقرار في القرآن ، فإن كل شيء كان جائزا ، ثم حرّم لموجب ، ثم أمر به بعد زوال ذلك الموجب ، فإن ذلك الأمر كله في القرآن للجواز نحو قوله هنا :
وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا
وقوله :
فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ
[ الجمعة : 10 ] ، وقوله :
فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ
[ البقرة :
187 ] الآية ، وقوله :
فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ
[ البقرة : 222 ] الآية .
ولا ينقض هذا بقوله تعالى :
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
[ التوبة : 5 ] الآية ، لأنّ قتلهم كان واجبا قبل تحريمه العارض بسبب الأشهر الأربعة سواء قلنا : إنها أشهر الإمهال المذكورة في قوله :
فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
[ التوبة : 2 ] ، أو قلنا : إنها
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في الضحايا ، حديث 2827 ، والترمذي في الأطعمة ، حديث 1476 ، وابن ماجة في الذبائح ، حديث 3199 .
( 2 ) أخرجه أبو داود في الضحايا ، حديث 2828 .