وهذه الآية تدل على أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يكن يعلم من الغيب إلا ما علمه اللّه ، وقد أمره تعالى أن يقول إنه لا يعلم الغيب في قوله في « الأنعام » :
قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ
[ الأنعام : 50 ] الآية ، وقال :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 ) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ
[ الجن : 26 - 27 ] الآية ، وقال :
قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ
[ النمل : 65 ] الآية . إلى غير ذلك من الآيات .
والمراد بالخير في هذه الآية الكريمة قيل : المال ، ويدل على ذلك كثرة ورود الخير بمعنى المال في القرآن كقوله تعالى :
وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
( 8 ) [ العاديات : 8 ] ، وقوله :
إِنْ تَرَكَ خَيْراً
[ البقرة : 180 ] ، وقوله :
قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ
[ البقرة : 215 ] الآية . إلى غير ذلك من الآيات .
وقيل : المراد بالخير فيها العمل الصالح كما قاله مجاهد وغيره ، والصحيح الأول لأنه صلى اللّه عليه وسلم مستكثر جدا من الخير الذي هو العمل الصالح ، لأن عمله صلى اللّه عليه وسلم كان ديمة ، وفي رواية كان إذا عمل عملا أثبته .
قوله تعالى :
وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها
[ 189 ] الآية .
ذكر في هذه الآية الكريمة أنه خلق حواء من آدم ليسكن إليها ، أي : ليألفها ويطمئن بها ، وبين في موضع آخر أنه جعل أزواج ذريته كذلك ، وهو قوله :
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً
[ الروم : 21 ] .
قوله تعالى :
فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 190 )
[ 190 ] .
في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند العلماء ، والقرآن يشهد لأحدهما .
الأول : أن حواء كانت لا يعيش لها ولد ، فحملت . فجاءها الشيطان ، فقال لها سمي هذا الولد عبد الحارث فإنه يعيش ، والحارث من أسماء الشيطان ، فسمته عبد الحارث فقال تعالى :
فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً
أي ولدا إنسانا ذكرا جعلا له شركاء بتسميته عبد الحارث ، وقد جاء بنحو هذا حديث مرفوع « 1 » وهو معلول كما أوضحه ابن كثير في تفسيره .
الوجه الثاني : أن معنى الآية أنه لما آتى آدم وحواء صالحا كفر به بعد ذلك كثير من
هامش
( 1 ) أخرجه عن سمرة بن جندب : الترمذي في تفسير القرآن حديث 3077 ، والحاكم في المستدرك كتاب التاريخ 2 / 545 ، وابن جرير الطبري في جامع البيان 9 / 99 ، وابن كثير في التفسير 2 / 275 ، 276 .