تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
عنده السابق إلى فهمه ، أو وصف اللّه جل وعلا ، بالغ من الكمال ، والجلال ما يقطع أوهام علائق المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين ، فيكون قلبه مستعدا للإيمان بصفات الكمال ، والجلال الثابتة للّه في القرآن والسنة الصحيحة ، مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق على نحو قوله :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
( 11 ) [ الشورى : 14 ] ، فلو قال منقطع : بينوا لنا كيفية الاتصاف بصفة الاستواء واليد ، ونحو ذلك لنعقلها . قلنا : أعرفت كيفية الذات المقدسة المتصفة بتلك الصفات ؟ فلا بد أن يقول : لا . فنقول : معرفة كيفية الاتصاف بالصفات متوقفة على معرفة كيفية الذات ، فسبحان من لا يستطيع غيره أن يحصي الثناء عليه هو ، كما أثنى على نفسه :
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
( 110 ) [ طه : 110 ] ،
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
( 11 ) [ الشورى : 11 ] ،
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) اللَّهُ الصَّمَدُ ( 2 ) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ( 3 ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
( 4 ) [ الإخلاص : 1 - 4 ] ،
فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ
[ النحل : 74 ] . فتحصل من جميع هذا البحث أن الصفات من باب واحد ، وأن الحق فيها متركب من أمرين : الأول : تنزيه اللّه جل وعلا عن مشهابة الخلق . والثاني : الإيمان بكل ما وصف به نفسه ، أو وصفه به رسوله صلى اللّه عليه وسلم إثباتا ، أو نفيا ؛ وهذا هو معنى قوله تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
( 11 ) ، والسلف الصالح ، رضي اللّه عنهم ما كانوا يشكون في شيء من ذلك ، ولا كان يشكل عليهم . ألا ترى إلى قول الفرزدق وهو شاعر فقط ، وأما من جهة العلم ، فهو عامي :
وكيف أخاف الناس واللّه قابض * على الناس والسبعين في راحة اليد
ومراده بالسبعين : سبع سماوات ، وسبع أرضين . فمن علم مثل هذا من كون السماوات والأرضين في يده جل وعلا أصغر من حبة خردل ، فإنه عالم بعظمة اللّه وجلاله لا يسبق إلى ذهنه مشابهة صفاته صفة لصفات الخلق ، ومن كان كذلك زال عنه كثير من الإشكالات التي أشكلت على كثير من المتأخرين ، وهذا الذي ذكرنا من تنزيه اللّه جل وعلا عما لا يليق به ، والإيمان بما وصف به نفسه ، أو وصفه به رسوله صلى اللّه عليه وسلم . هو معنى قول الإمام مالك - رحمه اللّه - : الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والسؤال عنه بدعة . ويروى نحو قول مالك هذا عن شيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وأم سلمة رضي اللّه عنها - والعلم عند اللّه تعالى - . قوله تعالى :
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 )
[ 56 ] .