داود أنهم لما قالوا لجرير : إنما كان ذلك قبل نزول المائدة ، قال : ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة « 1 » .
وهذه النصوص الصحيحة التي ذكرنا تدل على عدم نسخ المسح على الخفين ، وأنه لا شك في مشروعيته ، فالخلاف فيه لا وجه له البتة .
* * *
المسألة الثانية : اختلف العلماء في غسل الرجل والمسح على الخف أيهما أفضل ؟
فقالت جماعة من أهل العلم : غسل الرجل أفضل من المسح على الخف ، بشرط أن لا يترك المسح رغبة عن الرخصة في المسح ، وهو قول الشافعيّ ، ومالك ، وأبي حنيفة ، وأصحابهم ، ونقله ابن المنذر عن عمر بن الخطاب ، وابنه رضي اللّه عنهما ، ورواه البيهقي عن أبي أيوب الأنصاري « 2 » .
وحجة هذا القول أن غسل الرجل هو الذي واظب عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم في معظم الأوقات ، ولأنه هو الأصل ، ولأنه أكثر مشقة .
وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن المسح أفضل ، وهو أصح الروايات عن الإمام أحمد ، وبه قال الشعبي ، والحكم ، وحماد .
واستدل أهل هذا القوم بقوله صلى اللّه عليه وسلم في بعض الروايات حديث المغيرة بن شعبة : « بهذا أمرني ربي » .
ولفظه في سنن أبي داود عن المغيرة بن شعبة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مسح على الخفين ، فقلت : يا رسول اللّه أنسيت ؟ قال : « بل أنت نسيت ؛ بهذا أمرني ربي عزّ وجلّ » « 3 » .
واستدلوا أيضا بقوله صلى اللّه عليه وسلم في حديث صفوان بن عسال الآتي إن شاء اللّه تعالى « أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن نمسح على الخفّين » الحديث « 4 » .
قالوا : والأمر إذا لم يكن للوجوب ، فلا أقل من أن يكون للندب ، قال مقيده عفا اللّه عنه : وأظهر ما قيل في هذه المسألة عندي ، هو ما ذكره ابن القيم رحمه اللّه ، وعزاه لشيخه تقي الدين رحمه اللّه ، وهو أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يكن يتكلف ضد حاله التي كان عليها قدماه ، بل
هامش
( 1 ) أخرجه عن جرير بن عبد اللّه : البخاري في الصلاة حديث 387 ، ومسلم في الطهارة حديث 72 ، وأبو داود في الطهارة حديث 154 .
( 2 ) السنن الكبرى ، كتاب الطهارة 1 / 293 .
( 3 ) أخرجه عن المغيرة بن شعبة : أبو داود في الطهارة حديث 156 ، والبيهقي في السنن الكبرى ، كتاب الطهارة 1 / 271 .
( 4 ) سبق تخريجه .