عن إطاعة الكفرة في ذلك وهي قوله :
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً
( 28 ) [ الكهف : 28 ] كما أمره هنا بالسلام عليهم ، وبشارتهم برحمة ربهم جل وعلا في قوله :
وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
[ الأنعام : 54 ] ، الآية ، وبين في آيات أخر أن طرد ضعفاء المسلمين الذي طلبه كفار العرب من نبينا صلى اللّه عليه وسلم فنهاه اللّه عنه ، طلبه أيضا قوم نوح من نوح ، فأبى كقوله تعالى عنه :
وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا
[ هود : 29 ] الآية ، وقوله :
وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ
[ هود : 30 ] الآية ، وقوله :
وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ
( 114 ) [ الشعراء : 114 ] ، وهذا من تشابه قلوب الكفار المذكور في قوله تعالى :
تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ
[ البقرة : 118 ] ، الآية .
قوله تعالى :
وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ( 53 )
[ 53 ] .
أجرى اللّه تعالى الحكمة بأن أكثر أتباع الرسول ضعفاء الناس ، ولذلك « لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان عن نبينا صلى اللّه عليه وسلم : أأشرف الناس يتبعونه ، أم ضعفاؤهم ؟ فقال : بل ضعفاؤهم . قال : هم أتباع الرسول » « 1 » .
فإذا عرفت ذلك فاعلم أنه تعالى أشار إلى أن من حكمة ذلك فتنة بعض الناس ببعض ، فإن أهل المكانة والشرف والجاه يقولون : لو كان في هذا الدين خير لما سبقنا إليه هؤلاء ، لأنا أحق منهم بكل خير كما قال هنا :
وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا
الآية إنكارا منهم أن يمن اللّه على هؤلاء الضعفاء دونهم ، زعما منهم أنهم أحق بالخير منهم ، وقد رد اللّه قولهم هنا بقوله :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ
( 53 ) .
وقد أوضح هذا المعنى في آيات أخر كقوله تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ
[ الأحقاف : 11 ] الآية ، وقوله :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا
( 73 ) [ مريم : 73 ] .
والمعنى : أنهم لما رأوا أنفسهم أحسن منازل ، ومتاعا من ضعفاء المسلمين اعتقدوا أنهم أولى منهم بكل خير ، وأن أتباع الرسول صلى اللّه عليه وسلم لو كان خيرا ما سبقوهم إليه ، ورد اللّه افتراءهم هذا بقوله :
وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً
( 74 ) [ مريم :
74 ] ، وقوله :
أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ( 55 ) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا
هامش
( 1 ) أخرجه عن أبي سفيان : البخاري في الجهاد والسير حديث 2941 ، والتفسير حديث 4553 ، ومسلم في الجهاد والسير حديث 74 ، وأحمد في المسند 1 / 262 ، 263 .