تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
[ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 27 إلى 29 ] وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ( 27 ) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ( 28 ) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ ( 29 )
شرح
نجاب قال لأنه دعاكم ولم تجيبوه ثم قرأ واللّه يدعو إلى دار السلام( وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ )على ما سألوا واستحقوا بموجب الوعد( وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ )بدل ما للمؤمنين من الثواب والفضل 27 المزيد( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ )لتكبروا وأفسدوا فيها بطرا أو لعلا بعضهم على بعض بالاستيلاء والاستعلاء كما عليه الجبلة البشرية وأصل البغى طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى * من حيث الكمية أو الكيفية( وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ )أي بتقدير( ما يَشاءُ )أن ينزله مما تقتضيه مشيئته *( إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ )محيط بخفايا أمورهم وجلاياها فيقدر لكل واحد منهم في كل وقت من أوقاتهم ما يليق بشأنهم فيفقر ويغنى ويمنع ويعطى ويقبض ويبسط حسبما تقتضيه الحكمة الربانية ولو أغناهم جميعا لبغوا ولو أفقرهم لهلكوا وروى أن أهل الصفة تمنوا الغنى فنزلت وقيل نزلت في 28 العرب كانوا إذا أخصبوا تحاربوا وإذا أجدبوا انتجعوا( وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ )أي المطر الذي يغيثهم من الجدب ولذلك خص بالنافع منه وقرئ ينزل من الإنزال( مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا )يئسوا منه وتقييد تنزيله بذلك مع تحققه بدونه أيضا لتذكر كمال النعمة وقرئ بكسر النون( وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ )أي بركات الغيث ومنافعه في كل شئ من السهل والجبل والنبات والحيوان أو رحمته الواسعة المنتظمة لما ذكر انتظاما أوليا( وَهُوَ الْوَلِيُّ )الذي يتولى عباده بالإحسان ونشر الرحمة( الْحَمِيدُ )المستحق 29 للحمد على ذلك لا غيره( وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ )على ما هما عليه من تعاجيب الصنائع فإنها بذاتها وصفاتها تدل على شؤونه العظيمة( وَما بَثَّ فِيهِما )عطف على السماوات أو الخلق( مِنْ دابَّةٍ )من حي على إطلاق اسم المسبب على السبب أو مما يدب على الأرض فإن ما يختص بأحد الشيئين المتجاورين يصح نسبته إليهما كما في قوله تعالىيَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُوإنما يخرج من الملح وقد جوز أن يكون للملائكة عليهم السلام مشى مع الطيران فيوصفوا بالدبيب وأن يخلق اللّه في السماء حيوانا يمشون فيها مشى الأناسى على الأرض كما ينبئ عنه قوله تعالىوَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَوقد روى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال فوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض ثم فوق ذلك ثمانية أو عال بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض ثم فوق ذلك العرش العظيم( وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ )أي حشرهم بعد البعث للمحاسبة وقوله تعالى( إِذا يَشاءُ )متعلق بما قبله لا بقوله تعالى