تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
[ سورة الحشر ( 59 ) : آية 10 ] وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 10 )
شرح
لمدح الأنصار بخصال حميدة من جملتها محبتهم للمهاجرين ورضاهم باختصاص الفىء بهم أحسن رضا وأكمله ومعنى تبوئهم الدار أنهم اتخذوا المدينة والإيمان مباءة وتمكنوا فيهما أشد تمكن على تنزيل الحال منزلة المكان وقيل ضمن التبوؤ معنى اللزوم وقيل تبوءوا الدار وأخلصوا الإيمان كقول من قال [ علفتها تبنا وماء باردا ] وقيل المعنى تبوءوا دار الهجرة ودار الإيمان فحذف المضاف إليه من الأول وعوض منه اللام وقيل سمى المدينة بالإيمان لكونها مظهره ومنشأه( مِنْ قَبْلِهِمْ )أي من قبل هجرة المهاجرين * على المعاني الأول ومن قبل تبوءوا المهاجرين على الأخيرين ويجوز أن يجعل اتخاذ الإيمان مباءة ولزومه وإخلاصه على المعاني الأول عبارة عن إقامة كافة حقوقه التي من جملتها إظهار عامة شعائره وأحكامه ولا ريب في تقدم الأنصار في ذلك على المهاجرين لظهور عجزهم عن إظهار بعضها لا عن إخلاصه قلبا واعتقادا إذ لا يتصور تقدمهم عليهم في ذلك( يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ )خبر للموصول أي يحبونهم من * حيث مهاجرتهم إليهم لمحبتهم الإيمان( وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ )أي في نفوسهم( حاجَةً )أي شيئا * محتاجا إليه يقال خذ منه حاجتك أي ما تحتاج إليه وقيل إثر حاجة كالطلب والحرازة والحسد والغيظ( مِمَّا أُوتُوا )أي مما أوتى المهاجرون من الفىء وغيره( وَيُؤْثِرُونَ )أي يقدمون المهاجرين( عَلى أَنْفُسِهِمْ )* في كل شئ من أسباب المعاش حتى أن من كان عنده امرأتان كان ينزل عن إحداهما ويزوجها واحدا منهم( وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ )أي حاجة وخلة وأصلها خصاص البيت وهي فرجه والجملة في حيز الحال وقد * عرفت وجهه مرارا وكان النبي عليه الصلاة والسلام قسم أموال بنى النضير على المهاجرين ولم يعط الأنصار إلا ثلاثة نفر محتاجين أبا دجانة سماك بن خرشة وسهل بن حنيف والحرث بن الصمة وقال لهم إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شئ من الغنيمة فقالت الأنصار بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها فنزلت وهذا صريح في أن قوله تعالىوَالَّذِينَ تَبَوَّؤُاالخ مستأنف غير معطوف على الفقراء أو المهاجرين نعم يجوز عطفه على أولئك فإن ذلك إنما يستدعى شركة الأنصار للمهاجرين في الصدق دون الفىء فيكون قوله تعالىيُحِبُّونَوما عطف عليه استئنافا مقررا لصدقهم أو حالا من ضمير تبوءوا( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ )الشح بالضم والكسر وقد قرئ به أيضا اللؤم وإضافته إلى النفس * لأنه غريزة فيها مقتضية للحرص على المنع الذي هو البخل أي ومن يوق بتوفيق اللّه تعالى شحها حتى يخالفها فيما يغلب عليها من حب المال وبغض الإنفاق( فَأُولئِكَ )إشارة إلى من باعتبار معناها العام * المنتظم للمذكورين انتظاما أوليا( هُمُ الْمُفْلِحُونَ )الفائزون بكل مطلوب الناجون عن كل مكروه والجملة * اعتراض وارد لمدح الأنصار والثناء عليهم وقرئ يوق بالتشديد( وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ )هم الذين 10