تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
[ سورة الفتح ( 48 ) : الآيات 2 إلى 4 ] لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 2 ) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً ( 3 ) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 4 )
شرح
بلغه أن رجلا قال ما هذا بفتح لقد صددنا عن البيت وصد هدينا قال بل هو أعظم الفتوح وقد رضى المشركون أن يدفعوكم بالراح ويسألوكم القضية ويرغبوا إليكم في الأمان وقد رأوا منكم ما يكرهون وعن الشعبي نزلت بالحديبية وأصاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة حيث أصاب أن بويع بيعة الرضوان وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وبلغ الهدى محله وأطعموا نخل خيبر وظهرت الروم على فارس ففرح به المسلمون وكان في فتح الحديبية آية عظيمة هي أنه نزح ماؤها حتى لم يبق فيها قطرة فتمضمض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم مجه فيها فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه وشبع وقيل فجاش الماء حتى امتلأت ولم ينفد ماؤها بعد وقيل هو جميع ما فتح له عليه الصلاة والسلام من الفتوح وقيل هو ما فتح اللّه له عليه الصلاة والسلام من الإسلام والنبوة والدعوة بالحجة والسيف ولا فتح أبين منه وأعظم وهو رأس الفتوح كافة إذ لا فتح من فتوح الإسلام إلا وهو شعبة من شعبه وفرع من فروعه وقيل الفتح بمعنى القضاء ومنه الفتاحة للحكومة والمعنى قضينا لك على أهل مكة أن تدخلها من قابل وهو المروى عن قتادة رضى اللّه عنه وأيا ما كان فحذف المفعول للقصد إلى نفس الفعل والإيذان بأن مناط التبشير نفس الفتح الصادر عنه سبحانه لا خصوصية المفتوح 2( فَتْحاً مُبِيناً )بينا ظاهر الأمر مكشوف الحال أو فارقا بين الحق والباطل وقوله تعالى( لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ )غاية للفتح من حيث أنه مترتب على سعيه عليه الصلاة والسلام في إعلاء كلمة اللّه تعالى بمكابدة مشاق الحروب واقتحام موارد الخطوب والالتفات إلى اسم الذات المستتبع لجميع الصفات للإشعار بأن كل واحد مما انتظم في سلك الغاية من أفعاله تعالى صادر عنه تعالى من حيثية غير حيثية الآخر * مترتبة على صفة من صفاته تعالى( ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ )أي جميع ما فرط منك من ترك الأولى * وتسميته ذنبا بالنظر إلى منصبه الجليل( وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ )بإعلاء الدين وضم الملك إلى النبوة وغيرهما * مما أفاضه عليه من النعم الدينية والدنيوية( وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً )في تبليغ الرسالة وإقامة مراسم الرئاسة وأصل الاستقامة وإن كانت حاصلة قبل الفتح لكن حصل بعد ذلك من اتضاح سبل الحق 3 واستقامة مناهجه ما لم يكن حاصلا قبل( وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ )إظهار الاسم الجليل لكونه خاتمة الغايات * ولإظهار كمال العناية بشأن النصر كما يعرب عنه تأكيده بقوله تعالى( نَصْراً عَزِيزاً )أي نصرا فيه عزة ومنعة 4 أو قويا منيعا على وصف المصدر بوصف صاحبه مجازا للمبالغة أو عزيزا صاحبه( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ )
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 104 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي