تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
[ سورة الفجر ( 89 ) : الآيات 24 إلى 27 ] يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي ( 24 ) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ ( 25 ) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ ( 26 ) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 )
شرح
والقبيحة أو يتعظ وقوله تعالى( وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى )اعتراض جئ به لتحقيق أنه ليس يتذكر حقيقة لعرائه عن الجدوى بعدم وقوعه في أوانه وأنى خبر مقدم والذكرى مبتدأ وله متعلق بما تعلق به الخبر أي ومن أين يكون له الذكرى وقد فات أوانها وقيل هناك مضاف محذوف أي وأنى له منفعة الذكرى والاستدلال به على عدم وجوب قبول التوبة في دار التكليف مما لا وجه له على أن تذكره 24 ليس من التوبة في شئ فإنه عالم بأنها إنما تكون في الدنيا كما يعرب عنه قوله تعالى( يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي )وهو بدل اشتمال من يتذكر أو استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ منه كأنه قيل ما ذا يقول عند تذكره فقيل يقول يا ليتني عملت لأجل حياتي هذه أو وقت حياتي في الدنيا أعمالا صالحة أنتفع بها اليوم وليس في هذا التمني شائبة دلالة على استقلال العبد بفعله وإنما الذي يدل عليه ذلك اعتقاد كونه متمكنا من تقديم الأعمال الصالحة وأما أن ذلك بمحض قدرته أو بخلق اللّه تعالى عند صرف قدرته الكاسبة إليه فكلا وأما ما قيل من أن المحجور قد يتمنى إن كان ممكنا منه فربما يوهم أن من صرف قدرته إلى أحد طرفي الفعل يعتقد أنه محجور من الطرف الآخر وليس كذلك بل كل أحد جازم بأنه لو صرف قدرته إلى أي طرف كان من أفعاله الاختيارية لحصل وعلى هذا يدور فلك التكليف 25 وإلزام الحجة( فَيَوْمَئِذٍ )أي يوم إذ يكون ما ذكر من الأحوال والأقوال( لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ )26( وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ )الهاء للّه تعالى أي لا يتولى عذاب اللّه تعالى ووثاقه أحد سواه إذ الأمر كله له أو الإنسان أي لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه وقرئ الفعلان على البناء للمفعول والضمير للإنسان أيضا وقيل المراد به أبي بن خلف أي لا يعذب أحد مثل عذابه ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثل وثاقه لتناهيه في الكفر والعناد وقيل لا يحمل عذاب الإنسان أحد كقوله تعالىوَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى *وقوله تعالى( يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ )حكاية لأحوال من اطمأن بذكر اللّه عزّ وجل وطاعته إثر حكاية أحوال من اطمأن بالدنيا وصفت بالاطمئنان لأنها تترقى في معارج الأسباب والمسببات إلى المبدأ المؤثر بالذات فتستقر دون معرفته وتستغنى به في وجودها وسائر شؤونها عن غيره بالكلية وقيل هي النفس المطمئنة إلى الحق الواصلة إلى ثلج اليقين بحيث لا يخالجها شك ما وقيل هي الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن ويؤيده أنه قرئ يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة أي يقول