تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 80 إلى 82 ] وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ ( 80 ) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ ( 81 ) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ ( 82 )
شرح
وهو حال من الجبال أو استئناف مبين لكيفية التسخير ومع متعلقة بالتسخير وقيل بالتسبيح وهو بعيد *( وَالطَّيْرَ )عطف على الجبال أو مفعول معه وقرئ بالرفع على الابتداء والخبر محذوف أي والطير * مسخرات وقيل على العطف على الضمير في يسبحن وفيه ضعف لعدم التأكيد والفصل( وَكُنَّا فاعِلِينَ )80 أي من شأننا أن نفعل أمثاله فليس ذلك ببدع منا وإن كان بديعا عندكم( وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ )أي عمل الدرع وهو في الأصل اللباس قال قائلهم[ ألبس لكل حالة لبوسها * إما نعيمها وإما بوسها ]وقيل كانت صفائح فحلقها وسردها( لَكُمْ )متعلق بعلمنا أو بمحذوف هو صفة لبوس( لِتُحْصِنَكُمْ )أي اللبوس بتأويل الدرع وقرئ بالتذكير على أن الضمير لداود عليه السلام أو للبوس وقرئ بنون العظمة وهو بدل اشتمال من لكم بإعادة الجار مبين لكيفية الاختصاص والمنفعة المستفادة من لام لكم( مِنْ بَأْسِكُمْ )قيل من حرب عدوكم وقيل من وقع السلاح فيكم( فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ )أمر وارد على صورة الاستفهام للمبالغة أو 81 التقريع( وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ )أي وسخرنا له الريح وإيراد اللام هاهنا دون الأول للدلالة على ما بين التسخيرين من التفاوت فإن تسخير ما سخر له عليه السلام من الريح وغيرها كان بطريق الانقياد الكلى له والامتثال بأمره ونهيه والمقهورية تحت ملكوته وأما تسخير الجبال والطير لداود عليه السلام فلم يكن بهذه المثابة * بل بطريق التبعية له عليه السلام والاقتداء به في عبادة اللّه عزّ وعلا( عاصِفَةً )حال من الريح والعامل فيها الفعل المقدر أي وسخرنا له الريح حال كونها شديدة الهبوب من حيث إنها كانت تبعد بكرسيه في مدة يسيرة من الزمان كما قال تعالىغُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌوكانت رخاء في نفسها طيبة وقيل كانت رخاء تارة وعاصفة أخرى حسب إرادته عليه السلام وقرئ الريح بالرفع على الابتداء والخبر هو الظرف المقدم وعاصفة حينئذ حال من ضمير المبتدأ في الخبر والعامل ما فيه من معنى الاستقرار وقرئ الرياح نصبا * ورفعا( تَجْرِي بِأَمْرِهِ )بمشيئته حال ثانية أو بدل من الأولى أو حال من ضميرها( إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها )وهي الشأم رواحا بعد ما سار به منه بكرة قال الكلبي كان سليمان عليه السلام وقومه يركبون عليها * من إصطخر إلى الشأم وإلى حيث شاء ثم يعود إلى منزله( وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ )فنجريه حسبما تقتضيه 82 الحكمة( وَمِنَ الشَّياطِينِ )أي وسخرنا له من الشياطين( مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ )في البحار ويستخرجون له من نفائسها وقيل من رفع على الابتداء وخبره ما قبله والأول هو الأظهر( وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ )أي غير ما ذكر من بناء المدن والقصور واختراع الصنائع الغريبة لقوله تعالىيَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَالآية وهؤلاء إما الفرقة الأولى أو غيرها لعموم كلمة من كأنه قيل ومن يعملون وجمع الضمير الراجع إليها باعتبار معناها بعد ما رشح جانبه بقوله تعالىوَمِنَ الشَّياطِينِروى أن المسخر له عليه السلام كفارهم