تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 64 إلى 65 ] فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ( 64 ) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ( 65 )
شرح
المعرض فعلا بجعل الفأس في عنقه وقد قصد إسناده إليه بطريق التسبيب حيث كانت تلك الأصنام غاظته عليه السلام حين أبصرها مصطفة مرتبة للعبادة من دون اللّه سبحانه وكان غيظ كبيرها أكبر وأشد حسب زيادة تعظيمهم له فأسند الفعل إليه باعتبار أنه الحامل عليه وقيل هو حكاية لما يقود إلى تجويزه مذهبهم كأنه قال لهم ما تنكرون أن يفعله كبيرهم فإن من حق من يعبد ويدعى إلها أن يقدر على ما هو أشد من ذلك ويحكى أنه عليه السلام قال فعله كبيرهم هذا غضب أن تعبد معه هذه الصغار وهو أكبر منها فيكون تمثيلا أراد به عليه السلام تنبيههم على غضب اللّه تعالى عليهم لإشراكهم بعبادته الأصنام وأما ما قيل من أنه عليه السلام لم يقصد نسبة الفعل الصادر عنه إلى الصنم بل إنما قصد تقريره لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضى يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجة وتبكيتهم ومثل لذلك بما لو قال لك أمي فيما كتبته بخط رشيق وأنت شهير بحسن الخط أأنت كتبت هذا فقلت له بل أنت كتبته كان قصدك تقرير الكتابة لنفسك مع الاستهزاء بالسائل لا نفيها عنك وإثباتها له فبمعزل من التحقيق لأن خلاصة المعنى في المثال المذكور مجرد تقرير الكتابة لنفسك وادعاء ظهور الأمر مع الاستهزاء بالسائل وتجهيله في السؤال لابتنائه على أن صدورها عن غيرك محتمل عنده مع استحالته عندك ولا ريب في أن مراده عليه السلام من إسناد الكسر إلى الصنم ليس مجرد تقريره لنفسه ولا تجهيلهم في سؤالهم لابتنائه على احتمال صدوره عن الغير عندهم بل إنما مراده عليه السلام توجيههم نحو التأمل في أحوال أصنامهم كما ينبئ عنه قوله( فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ )أي إن كانوا ممن يمكن أن ينطقوا وإنما لم يقل عليه السلام إن كانوا يسمعون * أو يعقلون مع أن السؤال موقوف على السمع والعقل أيضا لما أن نتيجة السؤال هو الجواب وأن عدم نطقهم أظهر وتبكيتهم بذلك أدخل وقد حصل ذلك أولا حسبما نطق به قوله تعالى( فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ )64 أي راجعوا عقولهم وتذكروا أن ما لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الإضرار بمن كسره بوجه من الوجوه يستحيل أن يقدر على دفع مضرة عن غيره أو جلب منفعة له فكيف يستحق أن يكون معبودا( فَقالُوا )أي قال بعضهم لبعض فيما بينهم( إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ )أي بهذا السؤال لأنه كان على طريقة التوبيخ المستتبع للمؤاخذة أو بعبادة الأصنام لا من ظلمتموه بقولكم إنه لمن الظالمين أو أنتم ظالمون بعبادتها لا من كسرها( ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ )أي انقلبوا إلى المجادلة بعد ما استقاموا بالمراجعة شبه 65 عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشئ أعلاه وقرئ نكسوا بالتشديد ونكسوا على البناء للفاعل أي نكسوا أنفسهم( لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ )على إرادة القول أي قائلين واللّه لقد علمت أن ليس من شأنهم النطق فكيف تأمرنا بسؤالهم على أن المراد استمرار نفى النطق لا نفى استمراره كما توهمه صيغة المضارع .
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 75 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي