[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 51 إلى 54 ]
وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ ( 51 ) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ ( 52 ) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ ( 53 ) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 54 )
شرح
من يتذكر وصف بالوصف الأخير للتوراة لمناسبة المقام وموافقته لما مر في صدر السورة الكريمة( مُبارَكٌ )كثير الخير غزير النفع يتبرك به( أَنْزَلْناهُ )إما صفة ثانية لذكر أو خبر آخر( أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ )إنكار لإنكارهم بعد ظهور كون إنزاله كإيتاء التوراة كأنه قيل أبعد أن علمتم أن شأنه كشأن التوراة في الإيتاء والإيحاء أنتم منكرون لكونه منزلا من عندنا فإن ذلك بعد ملاحظة حال التوراة مما لا مساغ له 51 أصلا( وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ )أي الرشد اللائق به وبأمثاله من الرسل الكبار وهو الاهتداء الكامل المستند إلى الهداية الخاصة الحاصلة بالوحي والاقتدار على إصلاح الأمة باستعمال النواميس الإلهية وقرئ رشده وهما لغتان كالحزن والحزن( مِنْ قَبْلُ )أي من قبل إيتاء موسى وهارون التوراة وتقديم ذكر إيتائها لما بينه وبين إنزال القرآن من الشبه التام وقيل من قبل استنبائه أو قبل بلوغه ويأباه المقام( وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ )أي بأنه أهل لما آتيناه وفيه من الدليل على أنه تعالى عالم بالجزئيات مختار في أفعاله ما لا يخفى( إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ )ظرف لآتينا على أنه وقت متسع وقع فيه الإيتاء وما ترتب عليه من أفعاله وأقواله وقيل مفعول لمضمر مستأنف وقع تعليلا لما قبله أي اذكر وقت قوله لهم( ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ )لتقف على كمال رشده وغاية فضله والتمثال اسم لشئ مصنوع مشبه بخلق من خلائق اللّه تعالى وهذا تجاهل منه عليه السلام حيث سألهم عن أصنامهم بما التي يطلب بها بيان الحقيقة أو شرح الاسم كأنه لا يعرف أنها ما ذا مع إحاطته بأن حقيقتها حجر أو شجر اتخذوها معبودا وعبر عن عبادتهم لها بمطلق العكوف الذي هو عبارة عن اللزوم والاستمرار على الشئ لغرض من الأغراض قصدا إلى تحقيرها وإذلالها وتوبيخا لهم على إجلالها واللام في لها للاختصاص دون التعدية وإلا لجىء بكلمة على والمعنى 53 أنتم فاعلون العكوف لها وقد جوز تضمين العكوف معنى العبادة كما ينبئ عنه قوله تعالى( قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ )أجابوا بذلك لما أن مآل سؤاله عليه السلام الاستفسار عن سبب عبادتهم لها كما ينبئ عنه وصفه عليه السلام إياهم بالعكوف لها كأنه قال ما هي هل تستحق ما تصنعون من العكوف عليها فلما 54 لم يكن لهم ملجأ يعتد به التجئوا إلى التقليد فأبطله عليه السلام على طريقة التوكيد القسمي حيث( قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ )الذين سنوا لكم هذه السنة الباطلة( فِي ضَلالٍ )عجيب لا يقادر قدره( مُبِينٍ )أي ظاهر بين بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء كونه كذلك ومعنى كنتم مطلق استقرارهم على الضلال لا استقرارهم الماضي الحاصل قبل زمان الخطاب المتناول لهم ولآبائهم أي واللّه لقد كنتم مستقرين على ضلال عظيم