تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 31 إلى 33 ] وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ( 31 ) وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ ( 32 ) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ( 33 )
شرح
رواية عطاء وعليه أكثر المفسرين إن السماوات كانت رتقا مستوية صلبة لا تمطر والأرض رتقا لا تنبت ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات فيكون المراد بالسماوات السماء الدنيا والجمع باعتبار الآفاق أو السماوات جميعا على أن لها مدخلا في الأمطار وعلم الكفرة الرتق والفتق بهذا المعنى مما لا سترة به وأما بالمعاني الأول فهم وإن لم يعلموهما لكنهم متمكنون من علمهما إما بطريق النظر والتفكر فإن الفتق عارض مفتقر إلى مؤثر قديم وإما بالاستفسار من العلماء ومطالعة الكتب( وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ )* أي خلقنا من الماء كل حيوان كقوله تعالىوَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍوذلك لأنه من أعظم مواده أو لفرط احتياجه إليه وانتفاعه به أو صيرنا كل شئ حي من الماء أي بسبب منه لا بد له من ذلك وتقديم المفعول الثاني للاهتمام به لا لمجرد أن المفعولين في الأصل مبتدأ وخبر وحق الخبر عند كونه ظرفا أن يتقدم على المبتدأ فإن ذلك مصحح محض لا مرجح وقرئ حيا على أنه صفة كل أو مفعول ثان والظرف كما في الوجه الأول قدم على المفعول للاهتمام به والتشويق إلى المؤخر( أَ فَلا يُؤْمِنُونَ )إنكار لعدم إيمانهم باللّه وحده * مع ظهور ما يوجبه حتما من الآيات الآفاقية والأنفسية الدالة على تفرده عزّ وجل بالألوهية وعلى كون ما سواه من مخلوقاته مقهورة تحت ملكوته وقدرته والفاء للعطف على مقدر يستدعيه الإنكار السابق أي أيعلمون ذلك فلا يؤمنون( وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ )أي جبالا ثوابت جمع راسية من رسا الشئ 31 إذا ثبت ورسخ ووصف جمع المذكر بجمع المؤنث في غير العقلاء مما لا ريب في صحته كقوله تعالىأَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌوأَيَّاماً مَعْدُوداتٍ *( أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ )أي كراهة أن تتحرك وتضطرب بهم أو لئلا تميد بهم بحذف * اللام ولا لعدم الإلباس( وَجَعَلْنا فِيها )أي في الأرض وتكرير الفعل لاختلاف المجعولين ولتوفية مقام الامتنان حقه أو في الرواسي لأنها المحتاجة إلى الطرق( فِجاجاً )مسالك واسعة وإنما قدم على قوله تعالى( سُبُلًا )وهو وصف له ليصير حالا فيفيد أنه تعالى حين خلقها خلقها كذلك أو ليبدل منها سبلا فيدل ضمنا على أنه تعالى خلقها ووسعها للسابلة مع ما فيه من التوكيد( لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ )أي إلى مصالحهم ومهماتهم *( وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً )من الوقوع بقدرتنا القاهرة أو من الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم 32 بمشيئتنا أو من استراق السمع بالشهب( وَهُمْ عَنْ آياتِها )الدالة على وحدانيته تعالى وعلمه وحكمته وقدرته وإرادته التي بعضها محسوس وبعضها معلوم بالبحث عنه في علمي الطبيعة والهيئة( مُعْرِضُونَ )لا يتدبرون فيها فيبقون على ما هم عليه من الكفر والضلال وقوله تعالى( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ )اللذين هما آيتاهما بيان لبعض تلك الآيات التي هم عنها معرضون بطريق الالتفات الموجب
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 65 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي