تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 28 إلى 30 ] يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ( 28 ) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ( 29 ) أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ ( 30 )
شرح
يعملون لا بغير أمره أصلا فالقصر المستفاد من تقديم الجار معتبر بالنسبة إلى غير أمره لا إلى أمر 28 غيره( يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ )استئناف وقع تعليلا لما قبله وتمهيدا لما بعده فإن لعلمهم بإحاطته تعالى بما قدموا وأخروا من الأقوال والأعمال لا يزالون يراقبون أحوالهم فلا يقدمون على قول أو عمل بغير أمره تعالى( وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى )أن يشفع له مهابة منه تعالى( وَهُمْ )مع ذلك( مِنْ خَشْيَتِهِ )عزّ وجل( مُشْفِقُونَ )مرتعدون وأصل الخشية الخوف مع التعظيم ولذلك خص بها العلماء والإشفاق الخوف مع الاعتناء فعند تعديته بمن يكون معنى الخوف فيه أظهر وعند تعديته 29 بعلى ينعكس الأمر( وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ )أي من الملائكة الكلام فيهم وفي كونهم بمعزل مما قالوا في حقهم( إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ )متجاوزا إياه تعالى( فَذلِكَ )الذي فرض قوله فرض محال( نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ )كسائر المجرمين ولا يغنى عنهم ما ذكر من صفاتهم السنية وأفعالهم المرضية وفيه من الدلالة على قوة ملكوته تعالى وعزة جبروته واستحالة كون الملائكة بحيث يتوهم في حقهم ما توهمه أولئك الكفرة ما لا يخفى( كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ )مصدر تشبيهى مؤكد لمضمون ما قبله أي مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزى الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها ويتعدون أطوارهم والقصر المستفاد من التقديم معتبر بالنسبة إلى النقصان 30 دون الزيادة أي لا جزاء أنقص منه( أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا )تجهيل لهم بتقصيرهم في التدبر في الآيات التكوينية الدالة على استقلاله تعالى بالألوهية وكون جميع ما سواه مقهورا تحت ملكوته والهمزة * للإنكار والواو للعطف على مقدر وقرئ بغير واو والرؤية قلبية أي ألم يتفكروا ولم يعلموا( أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا )أي جماعتا السماوات والأرضين كما في قوله تعالىإِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا( رَتْقاً )الرتق الضم والالتحام والمعنى إما على حذف المضاف أو هو بمعنى المفعول أي كانتا ذواتي * رتق أو مرتوقتين وقرئ رتقا شيئا رتقا أي مرتوقا( فَفَتَقْناهُما )قال ابن عباس رضى اللّه عنهما في رواية عكرمة والحسن البصري وقتادة وسعيد بن جبير كانتا شيئا واحدا ملتزمين ففصل اللّه تعالى بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقر الأرض وقال كعب خلق اللّه تعالى السماوات والأرض ملتصقتين ثم خلق ريحا فتوسطتها ففتقتها وعن الحسن خلق اللّه تعالى الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليها دخان ملتزق بها ثم أصعد الدخان وخلق منه السماوات وأمسك الفهر في موضعها وبسط منها الأرض وذلك قوله تعالىكانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُماوقال مجاهد والسدى كانت السماوات مرتتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع سماوات وكذلك الأرض كانت مرتتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع أرضين وقال ابن عباس في
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 64 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي